فهرس الكتاب

الصفحة 1036 من 2471

الْآيَةُ السَّادِسَةُ: قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 24] . فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الِاسْتِجَابَةُ:

هِيَ الْإِجَابَةُ، وَقَدْ يَكُونُ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنَى أَفْعَلَ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَقَدْ قَالَ شَاعِرُ الْعَرَبِ1:

وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إلَى النَّدَى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْله تَعَالَى: {لِمَا يُحْيِيكُمْ} :

لَيْسَ يُرِيدُ بِهِ حَيَاةَ الْمُشَاهَدَةِ وَالْأَجْسَامِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ حَيَاةَ الْمَعَانِي وَالْقُلُوبِ بِالْإِفْهَامِ بِدُعَائِهِ إيَّاهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ وَالْقُرْآنِ، وَالْحَقِّ وَالْجِهَادِ، وَالطَّاعَةِ وَالْأُلْفَةِ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ لِمَا يُحْيِيكُمْ فِي الْآخِرَةِ الْحَيَاةَ الدَّائِمَةَ فِي النَّعِيمِ الْمُقِيمِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: ثَبَتَ فِي"صَحِيحِ الْحَدِيثِ"أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعَا أُبَيًّا وَهُوَ يُصَلِّي، فَلَمْ يُجِبْهُ أُبَيٌّ فَخَفَّفَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَا مَنَعَك إذْ دَعَوْتُك أَنْ تُجِيبَنِي؟"قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُنْت أُصَلِّي. قَالَ لَهُ: أَفَلَمْ تَجِدْ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ: { اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا أَعُودُ.

فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ لِلْفَرْضِ أَوْ الْقَوْلَ الْفَرْضَ إذَا أُتِيَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ لِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُبَيٍّ بِالْإِجَابَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ.

وَقَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ إجَابَةِ النَّبِيِّ وَتَقْدِيمِهَا عَلَى الصَّلَاةِ، وَهَلْ تَبْقَى الصَّلَاةُ مَعَهَا أُمّ تَبْطُلُ ؟ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى. وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي"مَسَائِلِ الْخِلَافِ".

1 هو كعب بن سعد الغنوي، والبيت من قصيدة يرثي بها أخاه، وانظر:"الأمالي": [2/ 147] ، و"الجمهرة": [692] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت