قَوْله تَعَالَى: {فَلْيَنْظُرْ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ}
86-سُورَةُ الطَّارِقِ فِيهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ الْآيَةُ الْأُولَى:
قَوْله تَعَالَى: {فَلْيَنْظُرْ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} [الطارق: 5- 6] :
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ:
المسألة الْأُولَى: بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى مَحَلَّ الْمَاءِ الَّذِي يُنْتَزَعُ1 مِنْهُ، وَأَنَّهُ بَيْنَ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ، تُزْعِجُهُ الْقُدْرَةُ، وَتُمَيِّزُهُ الْحِكْمَةُ، وَقَدْ قَالَ الْأَطِبَّاءُ: إنَّهُ الدَّمُ الَّذِي تَطْبُخُهُ الطَّبِيعَةُ بِوَاسِطَةِ الشَّهْوَةِ، وَهَذَا مَا لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ أَبَدًا إلَّا بِخَبَرٍ صَادِقٍ. وَأَمَّا2 الْقِيَاسُ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِيهِ، وَالنَّظَرُ الْعَقْلِيُّ لَا يُنْتَهَى إلَيْهِ، وَكُلُّ مَا يَصِفُونَ فِيهِ دَعْوَى يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ حَقًّا، بَيْدَ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى تَعْيِينِهَا كَمَا قَدَّمْنَا؛ وَلَا دَلِيلَ عَلَى تَخْصِيصِهَا حَسْبَمَا أَوْضَحْنَا. وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْخَبَرِ قَوْله تَعَالَى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً } [المؤمنون: 12] وَهِيَ الدَّمُ؛ فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ الدَّمَ هُوَ الطَّوْرُ الثَّالِثُ، وَعِنْدَ الْأَطِبَّاءِ أَنَّهُ الطَّوْرُ3 الْأَوَّلُ، وَهَذَا تَحَكُّمٌ مِمَّنْ يَجْهَلُ.
فَإِنْ قِيلَ وَهِيَ:
المسألة الثَّانِيَةُ: فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّهُ نَجِسٌ؟
قُلْنَا: قَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ مَقْنَعٌ، وَأَخَذْنَا مَعَهُمْ فِيهِ كُلَّ
1 في ش: تنبع.
2 في ش:فأما.
3 في ش:أنه في الطور الأولى.