قَوْله تَعَالَى: {سَنُقْرِئُك فَلَا تَنْسَى}
87-سُورَةُ الْأَعْلَى فِيهَا أَرْبَعُ آيَاتٍ الْآيَةُ الْأُولَى:
قَوْله تَعَالَى: {سَنُقْرِئُك فَلَا تَنْسَى} [الأعلى: 6] :
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ:
المسألة الْأُولَى: قَوْلُهُ: {سَنُقْرِئُك} :
أَيْ سَنَجْعَلُك قَارِئًا، فَلَا تَنْسَى مَا نُقْرِئُك. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: سَأَلْت مَالِكًا عَنْ قَوْلِهِ: {سَنُقْرِئُك فَلَا تَنْسَى} قَالَ: فَتَحْفَظُ. قَالَ عُلَمَاؤُنَا: يُرِيدُ مَالِكٌ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِتَرْكِ النِّسْيَانِ؛ إذْ كَانَ لَيْسَ مِنْ اسْتِطَاعَتِهِ، وَلَكِنَّهُ قَدَّمَ لَهُ تَرْكَهُ، وَحَكَمَ لَهُ بِأَنَّهُ لَا يَنْسَى مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ تَكْلِيفَ النَّاسِي فِي حَالِ نِسْيَانِهِ أَنْ يَصْرِفَ نِسْيَانَهُ لَا يُعْقَلُ قَوْلًا، فَكَيْفَ يَكُونُ مُكَلَّفًا بِهِ فِعْلًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. {وَلَا تَنْسَ نَصِيبَك مِنَ الدُّنْيَا} [القصص: 77] .
قُلْنَا. مَعْنَاهُ لَا تَتْرُكْ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ النِّسْيَانَ هُوَ التَّرْكُ لُغَةً. وَالتَّرْكُ عَلَى قِسْمَيْنِ: تَرْكٌ بِقَصْدٍ، وَتَرْكٌ بِغَيْرِ قَصْدٍ. وَالتَّكْلِيفُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَا يَرْتَبِطُ بِالْقَصْدِ مِنَ التَّرْكِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
المسألة الثَّانِيَةُ: ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ بـ {سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى} [الأعلى: 1] وَ {هَلْ أَتَاك حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} [الغاشية: 1] مِنْ طَرِيقِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ. خَرَّجَهُ النَّسَائِيّ، وَغَيْرُهُ زَادَ النُّعْمَانُ: فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ.
وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلَّذِي طَوَّلَ صَلَاتَهُ بِالنَّاسِ: اقْرَأْ بـ {سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى} . {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [الشمس: 1] وَنَحْوِ ذَلِكَ.