الْآيَةُ الثَّانِيَةُ:
قَوْله تَعَالَى: {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ} [البروج: 4]
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ:
المسألة الْأُولَى: ثَبَتَ عَنْ صُهَيْبٍ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ2 أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:"كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ لِلْمَلِكِ: قَدْ كَبِرْت، فَابْعَثْ لِي غُلَامًا أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ؛ فَبَعَثَ إلَيْهِ غُلَامًا يُعَلِّمُهُ، فَكَانَ فِي طَرِيقِهِ إذَا سَلَكَ رَاهِبٌ قَعَدَ إلَيْهِ، وَسَمِعَ كَلَامَهُ، وَأَعْجَبَهُ، فَكَانَ إذَا أَتَى السَّاحِرُ مَرَّ بِالرَّاهِبِ، فَقَعَدَ إلَيْهِ، وَإِذَا أَتَى السَّاحِرُ ضَرَبَهُ، فَشَكَا ذَلِكَ إلَى الرَّاهِبِ، فَقَالَ: إذَا خَشِيت السَّاحِرَ فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي، وَإِذَا خَشِيت أَهْلَك فَقُلْ حَبَسَنِي السَّاحِرُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ أَتَى عَلَى دَابَّةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ حَبَسَتْ النَّاسَ، فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ السَّاحِرُ أَفْضَلُ أَمْ الرَّاهِبُ أَفْضَلُ، فَأَخَذَ حَجَرًا وَقَالَ: اللَّهُمَّ إنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إلَيْك مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَّةَ، حَتَّى يَمْضِيَ النَّاسُ، فَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا، وَمَضَى النَّاسُ؛ فَأَتَى إلَى3 الرَّاهِبِ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: أَيْ بُنَيَّ، أَنْتَ الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي، قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِك مَا أَرَى4، وَإِنَّك سَتُبْتَلَى، فَإِنْ اُبْتُلِيت فَلَا تَدُلَّ عَلَيَّ؛ فَكَانَ الْغُلَامُ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَيُدَاوِي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الْأَدْوَاءِ، فَسَمِعَ بِهِ جَلِيسُ الْمَلِكِ وَكَانَ قَدْ عَمِيَ فَأَتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ، فَقَالَ: لَك مَا هُنَالِكَ أَجْمَعُ إنْ شَفَيْتنِي قَالَ: إنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا، إنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ، فَإِنْ أَنْتَ آمَنْتَ بِاَللَّهِ دَعَوْت لَك فَشَفَاك. فَآمَنَ بِاَللَّهِ؛ فَشَفَاهُ اللَّهُ."
فَأَتَى الْمَلِكُ فَجَلَسَ إلَيْهِ كَمَا كَانَ يَجْلِسُ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَنْ رَدَّ عَلَيْك بَصَرَك؟ قَالَ: رَبِّي. قَالَ: وَلَك رَبٌّ غَيْرِي، قَالَ: رَبِّي وَرَبُّك اللَّهُ.
فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ5 حَتَّى دَلَّ عَلَى الْغُلَامِ. فَجِيءَ بِالْغُلَامِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: أَيْ بُنَيَّ، قَدْ
2"مسلم": صفحة [2299] .
3 ساقط من ش.
4 في أ: ما ترى.
5 في أ، و"مسلم": يعذبه.