الْآيَةُ السَّابِعَةُ:
قَوْله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا} [الكهف: 60] .
وَهِيَ آيَةٌ سَيَرْتَبِطُ بِهَا غَيْرُهَا؛ لِأَنَّهُ حَدِيثُ الْخَضِرِ كُلُّهُ، وَذَلِكَ فِي سَبْعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً.
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي سَرْدِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي شَرْحِ الصَّحِيحَيْنِ بِغَايَةِ الْإِيعَابِ، وَشَرَحْنَا مَسَائِلَهُ، وَتَكَلَّمْنَا عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَنَحْنُ الْآنَ هَاهُنَا لَا نَعْدُو مَا يَتَعَلَّقُ بِالْآيَاتِ عَلَى التَّقْرِيبِ الْمُوجِزِ الْمُوعِبِ فِيهَا بِعَوْنِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ.
فَأَمَّا حَدِيثُهُ فَهُوَ مَا رَوَى أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ وَغَيْرُهُ، وَالْمُعَوَّلُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ1: قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ: إنَّ نَوْفًا الْبِكَالِيُّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ بَنِي إسْرَائِيلَ لَيْسَ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ، فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، سَمِعْت أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ يَقُولُ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"قَامَ مُوسَى خَطِيبًا فِي بَنِي إسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ. فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، إذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْك. قَالَ مُوسَى: أَيْ رَبِّ، فَكَيْفَ لِي بِهِ؟ فَقَالَ لَهُ: احْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، فَحَيْثُ تَفْقِدُ الْحُوتَ فَثَمَّ هُوَ، وَانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، فَجَعَلَ مُوسَى حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، فَانْطَلَقَ وَفَتَاهُ يَمْشِيَانِ حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ، فَرَقَدَ مُوسَى وَفَتَاهُ، فَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الْمِكْتَلِ حَتَّى خَرَجَ مِنَ المِكْتَلِ، فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ قَالَ: وَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنْهُ جَرْيَةَ الْمَاءِ، حَتَّى كَانَ مِثْلَ الطَّاقِ2، وَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا3، وَلِمُوسَى وَلِفَتَاهُ عَجَبًا، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتِهِمَا، وَنَسِيَ صَاحِبُ مُوسَى أَنْ يُخْبِرَهُ. فَلَمَّا أَصْبَحَ مُوسَى قَالَ لِفَتَاهُ: {آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} [الكهف: 62] ."
قالَ: وَلَمْ يَنْصَبْ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ.
1 صحيح مسلم: 1847.
2 الطاق: عقد البناء.
3 السرب: المسلك.