قَوْله تعالى: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ}
وَتُسَمَّى سُورَةُ النِّعَمِ فِيهَا إحْدَى وَعِشْرُونَ آيَةً
الْآيَةُ الْأُولَى:
قَوْله تعالى: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [النحل: 5] .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ: {الْأَنْعَامَ} : وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: {لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ} : يَعْنِي مِنَ البَرْدِ بِمَا فِيهَا مِنَ الأَصْوَافِ وَالْأَوْبَارِ وَالْأَشْعَارِ، كَمَا قَالَ تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ} [النحل: 81] فَامْتَنَّ هَهُنَا بِالدِّفْءِ، وَامْتَنَّ هُنَاكَ بِالظِّلِّ، إنْ كَانَ لَاصِقًا بِالْبَدَنِ ثَوْبًا أَوْ كَانَ مُنْفَصِلًا بِنَاءً1.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: دِفْؤُهَا نَسْلُهَا؛ فَرَبُّك أَعْلَمُ بِهَا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ: {مَنَافِعُ} : يَعْنِي مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الأَلْبَانِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ سِوَاهَا مِنَ المَنَافِعِ، فَقَالَ: وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ. وَقَدْ ذَكَرَ وَجْهَ اخْتِصَاصِهِ بِاللَّبَنِ، وَيَأْتِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى لِبَاسِ الصُّوفِ، فَهُوَ أَوْلَى ذَلِكَ وَأَوْلَاهُ، فَإِنَّهُ شِعَارُ الْمُتَّقِينَ وَلِبَاسُ الصَّالِحِينَ، وَشَارَةُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَاخْتِيَارُ الزُّهَّادِ وَالْعَارِفِينَ، وَهُوَ يُلْبَسُ لِينًا وَخَشِنًا، وَجَيِّدًا وَمُقَارِبًا2 وَرَدِيئًا، وَإِلَيْهِ نَسَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ الصُّوفِيَّ؛ لِأَنَّهُ لِبَاسُهُمْ فِي الْغَالِبِ، فَالْيَاءُ لِلنَّسَبِ وَالْهَاءُ لِلتَّأْنِيثِ، وَقَدْ أَنْشَدَنِي بَعْضُ أَشْيَاخِهِمْ بِالْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ:
1 في م: منه.
2 مقاربا بكسر الراء: وسط بين الجيد والرديء.