فهرس الكتاب

الصفحة 1178 من 2471

الْآيَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: قَوْله تَعَالَى {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاَللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} [التوبة: 65] . فِيهَا مَسْأَلَتَانِ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: رُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَرَكْبٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ يَسِيرُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالُوا: يَظُنُّ1 هَذَا أَنَّهُ يَفْتَحُ قُصُورَ الشَّامِ وَحُصُونَهَا، فَأَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى مَا فِي قُلُوبِهِمْ وَقَوْلِهِمْ، فَدَعَاهُمْ، فَقَالَ:"قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ؟"فَحَلَفُوا: مَا كُنَّا إلَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ.

فَكَانَ مِمَّنْ إنْ شَاءَ اللَّهُ عَفَا عَنْهُ يَقُولُ: أَسْمَعُ آيَةً تَقْشَعِرُّ مِنْهَا الْجُلُودُ، وَتَجِثُّ2 الْقُلُوبُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ وَفَاتِي قَتْلًا فِي سَبِيلِك، لَا يَقُلْ أَحَدٌ أَنَا غَسَّلْت، أَنَا كَفَّنْت، أَنَا دَفَنْت. قَالَ: فَأُصِيبُ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَّا وَقَدْ وُجِدَ غَيْرُهُ.

وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ يَشْتَدُّ قُدَّامَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْحِجَارَةُ تَنْكُبُهُ3، وَهُوَ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ:"أَبِاَللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ؟ لَا تَعْتَذِرُوا".

وَرُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ نَزَلَ فِيمَا كَانَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَا قَالُوهُ مِنْ ذَلِكَ جِدًّا أَوْ هَزْلًا، وَهُوَ كَيْفَمَا كَانَ كُفْرٌ؛ فَإِنَّ الْهَزْلَ بِالْكُفْرِ كُفْرٌ، لَا خُلْفَ فِيهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ، فَإِنَّ التَّحْقِيقَ أَخُو الْحَقِّ وَالْعِلْمِ، وَالْهَزْلَ أَخُو الْبَاطِلِ وَالْجَهْلِ. قَالَ عُلَمَاؤُنَا: نَظَرُوا4 إلَى قَوْلِهِ: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاَللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67] .

1 في"القرطبي": انظروا، هذا يفتح.

2 جث: فزع.

3 نكبت الحجارة رجله: لثمتها أو أصابتها.

4 في"القرطبي": [8/ 197] : انظر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت