فهرس الكتاب

الصفحة 1689 من 2471

الْآيَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ:

قَوْله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} . [النور: 30] . فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ: {يَغُضُّوا} يَعْنِي يَكُفُّوا عَنْ الِاسْتِرْسَالِ قَالَ الشَّاعِرُ1:

فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّك مِنْ نُمَيْرٍ

فَلَا كَعْبًا بَلَغْتَ وَلَا كِلَابًا

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: {يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} .

فَأَدْخَلَ حَرْفَ {مِنْ} الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّبْعِيضِ، وَذَكَرَ {وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} مُطْلَقًا.

وَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:

الْأَوَّلُ: أَنَّ غَضَّ الْأَبْصَارِ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ غَضَّهَا عَنْ الْحَلَالِ لَا يَلْزَمُ؛ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ غَضُّهَا عَنْ الْحَرَامِ؛ فَلِذَلِكَ أَدْخَلَ حَرْفَ التَّبْعِيضِ فِي غَضِّ الْأَبْصَارِ، فَقَالَ: {مِنْ أَبْصَارِهِمْ} .

الثَّانِي: أَنَّ مِنْ نَظَرِ الْعَيْنِ مَا لَا يَحْرُمُ، وَهُوَ النَّظْرَةُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ، فَمَا زَادَ عَلَيْهَا مُحَرَّمٌ، وَلَيْسَ مِنْ أَمْرِ الْفَرْجِ شَيْءٌ مَا يُحَلَّلُ.

الثَّالِثُ: أَنَّ مِنَ النَّظَرِ مَا يَحْرُمُ، وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَجَانِبِ؛ وَمِنْهُ مَا يُحَلَّلُ، وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالزَّوْجَاتِ وَذَوِي الْمَحَارِمِ، بِخِلَافِ الْفَرْجِ، فَإِنَّ سَتْرَهُ وَاجِبٌ فِي الْمَلَأِ وَالْخَلْوَةِ؛ لِحَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ الْقُشَيْرِيِّ؛ قَالَ:

قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ:"احْفَظْ عَوْرَتَك إلَّا مِنْ زَوْجِك، أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُك". فَقَالَ: الرَّجُلُ يَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ؟ قَالَ:"إنْ اسْتَطَعْت أَلَّا يَرَاهَا أَحَدٌ فَافْعَلْ". قُلْت: فَالرَّجُلُ يَكُونُ خَالِيًا؟ قَالَ:"اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ".

وَقَدْ ذَكَرَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَحَالَهَا مَعَهُ فَقَالَتْ: مَا رَأَيْت ذَلِكَ مِنْهُ، وَلَا رَأَى ذَلِكَ مِنِّي.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ: {وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} :

يَعْنِي بِهِ الْعِفَّةَ، وَهُوَ اجْتِنَابُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ فِيهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.

1 هو جرير، والبيت في"ديوانه": [75] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت