فهرس الكتاب

الصفحة 1690 من 2471

وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: الْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا حِفْظُهَا عَنْ الْأَبْصَارِ، حَتَّى لَا يَرَاهَا أَحَدٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ وُجُوبُ سَتْرِهَا وَشَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِهَا فِي الْبَقَرَةِ وَالْأَعْرَافِ1، وَإِيضَاحُهُ فِي"شَرْحِ الْحَدِيثِ"وَ"الْمَسَائِلِ".

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: {ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} :

يُرِيدُ أَطْهَرُ عَلَى مَعَانِي الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ إذَا غَضَّ بَصَرَهُ كَانَ أَطْهَرَ لَهُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَأَنْمَى لِأَعْمَالِهِ فِي الطَّاعَةِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِعَلِيٍّ:

"يَا عَلِيُّ2، إنَّ لَك كَنْزًا فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّك ذُو قَرْنَيْهَا، فَلَا تُتْبِعْ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ؛ فَإِنَّ الْأُولَى لَك وَالثَّانِيَةَ لَيْسَتْ لَك".

وَهُوَ أَيْضًا أَفْرَغُ لِبَالِهِ وَأَصْلَحُ لِأَحْوَالِهِ.

وَقَدْ أَنْشَدَ أَرْبَابُ الزُّهْدِ:

وَأَنْتَ إذَا أَرْسَلْت طَرْفَكَ رَائِدًا

لِقَلْبِك يَوْمًا أَتْعَبَتْك الْمَنَاظِرُ

رَأَيْت الَّذِي لَا كُلُّهُ أَنْتَ قَادِرٌ

عَلَيْهِ وَلَا عَنْ بَعْضِهِ أَنْتَ صَابِرُ

وَقَالُوا: مَنْ أَرْسَلَ طَرْفَهُ أَدْنَى حَتْفَهُ3، وَمَنْ غَضَّ الْبَصَرَ كَفَّهُ عَنْ التَّطَلُّعِ إلَى الْمُبَاحَاتِ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا وَجَمَالِهَا، كَمَا قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْك إلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّك خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 131] يُرِيدُ مَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

وَفِي الإسرائليات أَنَّ رَجُلًا كَانَ قَائِمًا يُصَلِّي فَنَظَرَ إلَى امْرَأَةٍ بِإِحْدَى عَيْنَيْهِ، فَتَطَأْطَأَ إلَى الْأَرْضِ، فَأَخَذَ عُودًا فَفَقَأَ بِهِ عَيْنَهُ الَّتِي نَظَرَ بِهَا إلَى الْمَرْأَةِ، وَهِيَ مِنْ خَيْرِ عَيْنٍ تُحْشَرُ.

وَتَحْكِي الصُّوفِيَّةُ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَمْشِي عَلَى طَرِيقٍ، فَاتَّبَعَهَا رَجُلٌ حَتَّى انْتَهَتْ إلَى بَابِ دَارِهَا، فَالْتَفَتَتْ إلَيْهِ فَقَالَتْ لَهُ: يَا هَذَا؛ مَا لَك تَتْبَعُنِي؟ فَقَالَ لَهَا: أَعْجَبَتْنِي عَيْنَاكِ. فَقَالَتْ: الْبَثْ قَلِيلًا، فَدَخَلَتْ دَارَهَا، ثُمَّ فَقَأَتْ عَيْنَيْهَا فِي سُكُرُّجَةٍ، وَأَخْرَجَتْهُمَا إلَيْهِ، وَقَالَتْ لَهُ: خُذْ مَا أَعْجَبَك، فَمَا كُنْت لِأَحْبِسَ عِنْدِي مَا يَفْتِنُ النَّاسَ مِنِّي.

1 صفحة [265] من الجزء الثاني.

2 في"النهاية": قال النبي لعلي: إن لك بيتًا في الجنة، وإنك ذو قرنيها - أي طرفي الجنة وجانبيها. قال أبو عبيد: أو أراد ذو قرني الأمة فأضمر. وقيل: أراد الحسن والحسين.

3 الحتف: الهلاك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت