الْآيَةُ الثَّالِثَةُ:
قَوْله تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل: 17] . فِيهَا مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ: {يُوزَعُونَ} :
يَعْنِي يَمْنَعُونَ وَيَدْفَعُونَ، وَيَرُدُّ أَوَّلُهُمْ عَلَى آخِرِهِمْ، وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى يُلْهَمُونَ مِنْ قَوْلِهِ: {أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَك} [النمل: 19] أَيْ أَلْهِمْنِي. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْأُولَى، وَيَكُونُ مَعْنَاهُ رُدَّنِي.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: رَوَى أَشْهَبُ قَالَ: قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: قَالَ عُثْمَانُ: مَا يَزَعُ3 النَّاسَ السُّلْطَانُ أَكْثَرَ مِمَّا يَزَعُهُمْ الْقُرْآنُ. قَالَ مَالِكٌ: يَعْنِي يَكُفُّهُمْ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ مِثْلُهُ، وَزَادَ ثُمَّ تَلَا مَالِكٌ: {فَهُمْ يُوزَعُونَ} أَيْ يُكَفُّونَ.
وَقَدْ جَهِلَ قَوْمٌ الْمُرَادَ بِهَذَا الْكَلَامِ، فَظَنُّوا أَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ قُدْرَةَ السُّلْطَانِ تَرْدَعُ النَّاسَ أَكْثَرَ مِمَّا تَرْدَعُهُمْ حُدُودُ الْقُرْآنِ. وَهَذَا جَهْلٌ بِاَللَّهِ وَحُكْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَوَضْعِهِ لِخَلْقِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ مَا وَضَعَ الْحُدُودَ إلَّا مَصْلَحَةً عَامَّةً كَافَّةً قَائِمَةً بِقِوَامِ الْحَقِّ4، لَا زِيَادَةَ عَلَيْهَا وَلَا نُقْصَانَ مَعَهَا، وَلَا يَصْلُحُ سِوَاهَا، وَلَكِنَّ الظَّلَمَةَ خَاسُوا5 بِهَا، وَقَصَّرُوا عَنْهَا، وَأَتَوْا مَا أَتَوْا بِغَيْرِ نِيَّةٍ مِنْهَا، وَلَمْ يَقْصِدُوا
3 في"القرطبي": ما ينزع الإمام أكثر مما يزع القرآن.
4 في م: الخلق. وفي"القرطبي": قائمة لقوام الخلق.
5 خاس بالعهد: أخلف.