الْآيَةُ السَّابِعَةُ: قَوْله تَعَالَى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44] فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي كَيْفِيَّةِ فِعْلِهِمْ:
وَاخْتَلَفَ فِيهِ نَقْلُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ:
الْأُولَى: رُوِيَ أَنَّ زَكَرِيَّا قَالَ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا، خَالَتُهَا عِنْدِي1. وَقَالَ بَنُو إسْرَائِيلَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِهَا، بِنْتُ عَالِمِنَا، فَاقْتَرَعُوا عَلَيْهَا بِالْأَقْلَامِ، وَجَاءَ كُلُّ وَاحِدٍ بِقَلَمِهِ، وَاتَّفَقُوا أَنْ يَجْعَلُوا الْأَقْلَامَ فِي الْمَاءِ الْجَارِي، فَمَنْ وَقَفَ قَلَمُهُ وَلَمْ يَجْرِ فِي الْمَاءِ فَهُوَ صَاحِبُهَا2.
قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ:"فَجَرَتْ الْأَقْلَامُ وَعَالَ3 قَلَمُ زَكَرِيَّا"كَانَتْ آيَةً؛ لِأَنَّهُ نَبِيٌّ تَجْرِي الْآيَاتُ عَلَى يَدِهِ.
الثَّانِي: أَنَّ زَكَرِيَّا كَانَ يَكْفُلُهَا حَتَّى كَانَ عَامُ مَجَاعَةٍ فَعَجَزَ وَأَرَادَ مِنْهُمْ أَنْ يَقْتَرِعُوا، فَاقْتَرَعُوا، فَوَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَيْهِمْ4 لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ مِنْ تَخْصِيصِهِ بِهَا.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَنَّهَا لَمَّا نَذَرَتْهَا لِلَّهِ تَخَلَّتْ عَنْهَا حِينَ بَلَغَتْ السَّعْيَ، وَاسْتَقَلَّتْ بِنَفْسِهَا، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا بُدٌّ مِنْ قَيِّمٍ، إذْ لَا يُمْكِنُ انْفِرَادُهَا بِنَفْسِهَا، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَكَانَ مَا كَانَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْقُرْعَةُ أَصْلٌ فِي شَرِيعَتِنَا.
ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا، وَهَذَا مِمَّا لَمْ يَرَهُ مَالِكٌ شَرْعًا.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ دِينٌ وَمِنْهَاجٌ لَا يَتَعَدَّى.
1"ابن كثير":"1/313".
2 في"القرطبي": فهو خاضنها.
3 عال: ارتفع.
4 هكذا بالأصل.