الآية الثانية عشرة: قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ . إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 33،34] . فيها اثنتا عشرة مسألة:
المسألة الأولى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} ظاهرها محال؛ فإن الله سبحانه لا يحارب ولا يغالب ولا يشاق ولا يحاد1 لوجهين:
أحدهما: ما هو عليه من صفات الجلال, وعموم القدرة والإرادة على الكمال, وما وجب له من التنزه عن الأضداد والأنداد.
الثاني: أن ذلك يقتضي أن يكون كل واحد من المتحاربين في جهة وفريق عن الآخر. والجهة على الله تعالى محال, وقد قال جماعة من المفسرين لما وجب من حمل الآية على المجاز: معناه يحاربون أولياء الله؛ وعبر بنفسه العزيزة سبحانه عن أوليائه إكبارا لإذايتهم, كما عبر بنفسه عن الفقراء في قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [البقرة: 245] لطفا بهم ورحمة لهم, وكشفا للغطاء عنه بقوله في الحديث الصحيح:
"عبدي مرضت فلم تعدني, وجعت فلم تطعمني, وعطشت فلم تسقني, فيقول: وكيف ذلك وأنت رب العالمين؟ فيقول: مرض عبدي فلان, ولو عدته لوجدتني عنده". وذلك كله على الباري سبحانه محال, ولكنه كنى بذلك عنه تشريفا له, كذلك في مسألتنا مثله.
وقد قال المفسرون: إن الحرابة هي الكفر, وهي معنى صحيح؛ لأن الكفر يبعث على الحرب؛ وهذا مبين في"مسائل الخلاف".
المسألة الثانية: في سبب نزولها: وفيها خمسة أقوال:
الأول: أنها نزلت في أهل الكتاب؛ نقضوا العهد, وأخافوا السبيل, وأفسدوا في الأرض, فخير الله نبيه فيهم.
الثاني: نزلت في المشركين؛ قاله الحسن.
1 شاق الله: صار شق غير جانب الله. وحاد الله: مانعه"النهاية".