الْآيَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ:
قَوْله تعالى: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّك مَكْرُوهًا ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا} [الإسراء: 37، 38، 39] . فِيهِ خَمْسُ مَسَائِلَ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ: {مَرَحًا} : فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ: مُتَكَبِّرًا. الثَّانِي: بَطِرًا. الثَّالِثُ: شَدِيدُ الْفَرَحِ. الرَّابِعُ: النَّشَاطُ.
فَإِذَا تَتَبَّعْت هَذِهِ الْأَقْوَالَ وَجَدْتهَا مُتَقَارِبَةً، وَلَكِنَّهَا مُنْقَسِمَةٌ قِسْمَيْنِ مُخْتَلِفِينَ: أَحَدُهُمَا مَذْمُومٌ، وَالْآخَرُ مَحْمُودٌ؛ فَالتَّكَبُّرُ وَالْبَطَرُ مَذْمُومَانِ، وَالْفَرَحُ وَالنَّشَاطُ مَحْمُودَانِ؛ وَلِذَلِكَ يُوصَفُ اللَّهُ بِالْفَرَحِ.
فَفِي الْحَدِيثِ: {لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ مِنْ رَجُلٍ 000} الْحَدِيثَ.
وَالْكَسَلُ مَذْمُومٌ شَرْعًا، وَالنَّشَاطُ ضِدُّهُ. وَقَدْ يَكُونُ التَّكَبُّرُ مَحْمُودًا، وَذَلِكَ عَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ وَعَلَى الظَّلَمَةِ.
وَحَقِيقَةُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ الْآنَ أَنَّ الْفَرَحَ إذَا كَانَ بَدَنِيًّا وَصِفَاتٍ لَيْسَ لَهَا فِي الْآخِرَةِ نَصِيبٌ، أَوْ كَانَ النَّشَاطُ إلَى مَا لَا يَنْفَعُ فِي الْآخِرَةِ، وَلَا يَكُونُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا نِيَّةٌ دِينِيَّةٌ لِلْمُتَّصِفِ بِهِمَا؛ فَذَلِكَ الَّذِي ذَمَّ اللَّهُ هَاهُنَا. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي:
الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ: {إنَّك لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ} : يَعْنِي لَنْ تَتَوَلَّجَ بَاطِنَهَا، فَتَعْلَمَ مَا فِيهَا، وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا، وَهِيَ: