الْآيَةُ الْعَاشِرَةُ: قَوْله تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 77] فِيهَا مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي سَبَبِ نُزُولِهَا:
قَالَ قَوْمٌ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ؛ كَتَبُوا كِتَابًا وَحَلَفُوا أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ حَلَفَ يَمِينًا فَاجِرَةً1 لِتُنَفَّقَ سِلْعَتُهُ فِي الْبَيْعِ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ.
وَاَلَّذِي يَصِحُّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ2:"مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ3 لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ"فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَصْدِيقَ ذَلِكَ: {إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} الْآيَةَ. قَالَ: فَجَاءَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فَقَالَ: فِي نَزَلَتْ، كَانَ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عُمَرَ، وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ الْيَهُودِ أَرْضٌ فَجَحَدَنِي. قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ:"بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ". فَقُلْت: إذًا يَحْلِفُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَا صَحَّ فِي الْحَدِيثِ وَمَا رُوِيَ عَنْ الْيَهُودِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُحِلُّ الْمَالَ فِي الْبَاطِنِ بِقَضَاءِ الظَّاهِرِ، إذَا عَلِمَ الْمَحْكُومُ لَهُ بُطْلانَهُ.
1 أي: لتروج.
2"صحيح مسلم":"122".
3 يمين صبر: أي ألزم بها وحبس عليها، وكانت لازمة لصاحبها من جهة الحكم"التهاية"وفي"ابن كثير""1/ 375"على يمين كاذبة.