الْآيَةُ التَّاسِعَةُ: قَوْله تَعَالَى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 75] فِيهَا إحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي سَبَبِ نُزُولِهَا:
قِيلَ: نَزَلَتْ فِي نَصَارَى نَجْرَانَ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ الْيَهُودِ تَابَعَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعَرَبِ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا قَالَ لَهُمْ الْيَهُودُ: تَرَكْتُمْ دِينَكُمْ، فَلَيْسَ لَكُمْ عِنْدَنَا حَقٌّ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الدِّينَارُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ قِيرَاطًا، وَالْقِيرَاطُ ثَلَاثُ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ، وَالْقِنْطَارُ أَرْبَعَةُ أَرْبَاعٍ، وَالرُّبْعُ ثَلَاثُونَ رِطْلًا، وَالرِّطْلُ اثْنَتَا عَشْرَةَ أُوقِيَّةً، وَالْأُوقِيَّةُ سِتَّةَ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَالدِّرْهَمُ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ حَبَّةً مِنْ شَعِيرٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ مَشْرُوحًا فِي"مَسَائِلِ الْفِقْهِ".
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فَائِدَتُهَا النَّهْيُ عَنْ ائْتِمَانِهِمْ عَلَى مَالِ. وَقَالَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعَرَبِيُّ: فَائِدَتُهَا أَلَّا يُؤْتَمَنُوا عَلَى دِينٍ؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنْ الْكِتَابِ} [آل عمران: 78] فَأَرَادَ أَلَّا يُؤْتَمَنُوا عَلَى نَقْلِ شَيْءٍ مِنْ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهَا فِي الْمَالِ نَصٌّ، وَفِي الدِّينِ سُنَّةٌ؛ فَأَفَادَتْ الْمَعْنَيَيْنِ بِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي قَوْله تَعَالَى: {مَنْ إنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ} .
هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَدَاءَ الْأَمَانَةِ فِي الدِّينَارِ بِالنَّصِّ أَوْ بِالسُّنَّةِ أَوْ بِالْقِيَاسِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ قِيَاسٌ جَلِيٌّ، وَهُوَ أَعْلَى مَرَاتِبِهِ، وَهُنَاكَ تَجِدُونَهُ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَوْله تَعَالَى: {إلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} .
تَعَلَّقَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ فِي مُلَازَمَةِ الْغَرِيمِ لِلْمُفْلِسِ؛ وَأَبَاهُ سَائِرُ الْعُلَمَاءِ؛ وَلَا حُجَّةَ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ مُلَازَمَةَ الْغَرِيمِ الْمَحْكُومِ بِعَدَمِهِ لَا فَائِدَةَ فِيهَا؛ إذْ لَا يُرْجَى مَا عِنْدَهُ. وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ هُنَاكَ.