فهرس الكتاب

الصفحة 370 من 2471

وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ النَّاسِ: إنَّ مَعْنَى {لَا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} أَيْ حَافِظًا بِالشَّهَادَةِ، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ.

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: أَقْسَامُ هَذِهِ الْحَالِ ثَلَاثَةٌ:

قِسْمٌ يُؤَدَّى، وَقِسْمٌ لَا يُؤَدَّى إلَّا مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائِمًا، وَقِسْمٌ لَا يُؤَدَّى وَإِنْ دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا، إلَّا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ الْقِسْمَيْنِ، لِأَنَّهُ الْغَالِبُ الْمُعْتَادُ، وَالثَّالِثُ نَادِرٌ؛ فَخَرَجَ الْكَلَامُ عَلَى الْغَالِبِ.

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: قَوْله تَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} .

الْمَعْنَى فَعَلُوا ذَلِكَ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ ظُلْمَهُمْ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ جَائِزٌ، تَقْدِيرُ كَلَامِهِمْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ظُلْمِ الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ أَيْ إثْمٌ. وَقَوْلُهُمْ هَذَا كَذِبٌ صَادِرٌ عَنْ اعْتِقَادٍ بَاطِلٍ مُرَكَّبٍ عَلَى كُفْرٍ، فَإِنَّهُمْ أَخْبَرُوا عَنْ التَّوْرَاةِ بِمَا لَيْسَ فِيهَا، وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} .

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: الْأَمَانَةُ عَظِيمَةُ الْقَدْرِ فِي الدِّينِ، وَمِنْ عَظِيمِ قَدْرِهَا أَنَّهَا تَقِفُ عَلَى جَنْبَتَيْ الصِّرَاطِ وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ الْجَوَازِ إلَّا مَنْ حَفِظَهَا، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ وَكِتَابِ شَرْحِ الْمُشْكِلَيْنِ؛ وَلِهَذَا وَجَبَ عَلَيْكَ أَنْ تُؤَدِّيَهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ؛ فَتُقَابِلَ مَعْصِيَةً فِيكَ بِمَعْصِيَةٍ فِيهِ، عَلَى اخْتِلَافٍ بَيَّنَّاهُ فِي"مَسَائِلِ الْخِلَافِ".

وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَكَ أَنْ تَغْدِرَ بِمَنْ غَدَرَ بِكَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ:"بَابُ إثْمِ الْغَادِرِ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ".

فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ الشَّعْبِيُّ: مَنْ حَلَّ بِكَ فَاحْلُلْ بِهِ قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: يَعْنِي أَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يُقْتَلُ، وَلَكِنْ مَنْ عَرَضَ لَكَ فَاقْتُلْهُ وَحُلَّ أَنْتَ بِهِ أَيْضًا، مَنْ خَانَكَ فَخُنْهُ.

قُلْنَا: تَحْرِيمُ الْمُحْرِمِ كَانَ بِشَرْطِ أَلَّا يَعْرِضَ لَهُ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ، وَالْأَمَانَةُ يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ.

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إنَّا نُصِيبُ فِي الْغَزْوِ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ الدَّجَاجَةَ وَالشَّاةَ وَنَقُولُ: لَيْسَ بِذَلِكَ عَلَيْنَا بَأْسٌ.

فَقَالَ لَهُ: هَذَا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} ؛ إنَّهُمْ إذَا أَدَّوْا الْجِزْيَةَ لَمْ تَحِلَّ لَكُمْ أَمْوَالُهُمْ إلَّا عَنْ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت