فهرس الكتاب

الصفحة 1473 من 2471

الْآيَةُ السَّادِسَةُ:

قَوْله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَك مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِك وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء 29] . فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَك مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِك} هَذَا مَجَازٌ، عَبَّرَ بِهِ عَنْ الْبَخِيلِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى إخْرَاجِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ فَضَرَبَ لَهُ مَثَلًا الْغُلَّ الَّذِي يَمْنَعُ مِنْ تَصَرُّفِ الْيَدَيْنِ، وَقَدْ ضَرَبَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَثَلًا آخَرَ، فَقَالَ1:"مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، مِنْ لَدُنْ ثُدِيِّهِمَا إلَى تَرَاقِيِهِمَا، فَأَمَّا الْمُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ إلَّا سَبَغَتْ وَوَفَرَتْ عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى يَخْفَى بَنَانُهُ، وَيَعْفُوَ أَثَرُهُ. وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَلَا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إلَّا لَزِمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا. فَهُوَ يُوَسِّعُ وَلَا يَتَّسِعُ".

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: {وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} ضَرَبَ بَسْطَ الْيَدِ مَثَلًا لِذَهَابِ الْمَالِ، فَإِنَّ قَبْضَ الْكَفِّ يَحْبِسُ مَا فِيهَا، وَبَسْطَهَا يُذْهِبُ مَا فِيهَا، وَمِنْهُ الْمَثَلُ الْمَضْرُوبُ فِي سُورَةِ الرَّعْدِ: {إلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ} [الرعد: 14] . فِي أَحَدِ وَجْهَيْ تَأْوِيلِهِ، كَأَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى التَّوَسُّطِ فِي الْمَنْعِ وَالدَّفْعِ، كَمَا قَالَ: {وَاَلَّذِينَ إذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67] فَيُؤَوَّلُ مَعْنَى الْكَلَامِ إلَى أَوْجُهٍ ثَلَاثَةٍ:

الْأَوَّلُ: لَا يَمْتَنِعُ عَنْ نَفَقَتِهِ فِي الْخَيْرِ، وَلَا يُنْفِقُ فِي الشَّرِّ.

الثَّانِي: لَا يَمْنَعُ حَقَّ اللَّهِ، وَلَا يَتَجَاوَزُ الْوَاجِبَ؛ لِئَلَّا يَأْتِيَ مَنْ يَسْأَلُ، فَلَا يَجِدُ عَطَاءً.

الثَّالِثُ: لَا تُمْسِكْ كُلَّ مَالِك، وَلَا تُعْطِ جَمِيعَهُ، فَتَبْقَى مَلُومًا فِي جِهَاتِ الْمَنْعِ الثَّلَاثِ، مَحْسُورًا، أَيْ مُنْكَشِفًا فِي جِهَةِ الْبَسْطِ وَالْعَطَاءِ لِلْكُلِّ أَوْ لِسَائِرِ وُجُوهِ الْعَطَاءِ الْمَذْمُومَةِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: هَذَا خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالْمُرَادُ أُمَّتُهُ، وَكَثِيرًا مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ، فَإِنَّ

1 صحيح مسلم: 708

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت