قوله تعالى: أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء .
الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ: قَوْله تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 185] . فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِالنَّظَرِ فِي آيَاتِهِ، وَالِاعْتِبَارِ بِمَخْلُوقَاتِهِ فِي أَعْدَادٍ كَثِيرَةٍ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ، أَرَادَ بِذَلِكَ زِيَادَةً فِي الْيَقِينِ، وَقَوْلًا فِي الْإِيمَانِ، وَتَثْبِيتًا لِلْقُلُوبِ عَلَى التَّوْحِيدِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ؛ قَالَ: قِيلَ لِأُمِّ الدَّرْدَاءِ: مَا كَانَ أَكْثَرُ شَأْنِ أَبِي الدَّرْدَاءِ؟ قَالَتْ: كَانَ أَكْثَرُ شَأْنِهِ التَّفَكُّرَ. قِيلَ لَهُ: أَفَتَرَى الْفِكْرَ عَمَلًا مِنْ الْأَعْمَالِ؟ قَالَ: نَعَمْ. هُوَ الْيَقِينُ.
وَقِيلَ لِابْنِ الْمُسَيِّبِ فِي الصَّلَاةِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ. فَقَالَ: لَيْسَتْ هَذِهِ عِبَادَةً؛ إنَّمَا الْعِبَادَةُ الْوَرَعُ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ وَالْفِكْرُ فِي أَمْرِ اللَّهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: حَقِيقَةُ التَّفَكُّرِ هُنَا تَرْدِيدُ1 الْعِلْمِ فِي الْقَلْبِ بِالْخَبَرِ عَنْهُ.
وَالْكَلَامُ حَقِيقَةً هُوَ مَا يَجْرِي فِي النَّفْسِ، وَالْحُرُوفُ وَالْأَصْوَاتُ عِبَارَةٌ عَنْهُ، وَأَقَلُّ مَا يَحْضُرُ فِي الْقَلْبِ مِنْ الْعِلْمِ عِلْمَانِ اثْنَانِ: أَحَدُهُمَا نَسَقُ الْآخَرِ، وَمِثَالُهُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْجَنَّةَ مَطْلُوبَةٌ، وَأَنَّ الْمُوَصِّلَ إلَيْهَا آكَدُ2 الْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَحِينَئِذٍ يَجْتَهِدُ فِي الْعَمَلِ؛ وَآكَدُ مِنْ هَذَا أَنْ تَعْلَمَ الْإِيمَانَ بِاَللَّهِ بِمَعْرِفَتِهِ وَمَعْرِفَةِ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَمَلَكُوتِهِ فِي أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ؛ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِالنَّظَرِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ، وَهِيَ لَا تُحْصَى كَثْرَةً؛ وَأُمَّهَاتُهَا السَّمَوَاتُ، فَتَرَى كَيْفَ بُنِيَتْ وَزُيِّنَتْ مِنْ غَيْرِ فُطُورٍ3 وَرُفِعَتْ بِغَيْرِ عَمَدٍ، وَخُولِفَ مِقْدَارُ كَوَاكِبِهَا، وَنُصِبَتْ سَائِرَةً شَارِقَةً وَغَارِبَةً نَيِّرَةً، وَمَمْحُوَّةً؛ كُلُّ ذَلِكَ بِحِكْمَةٍ وَمَنْفَعَةٍ.
1 في ل: تدبر.
2 في ل: أكثر.
3 الفطر: الشق، وجمعه فطور.