فهرس الكتاب

الصفحة 1379 من 2471

الْآيَةُ الْخَامِسَةُ:

قَوْله تعالى: {لَعَمْرُكَ إنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} . [الحجر: 72] فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ الْمُفَسِّرُونَ بِأَجْمَعِهِمْ: أَقْسَمَ اللَّهُ هُنَا بِحَيَاةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم تَشْرِيفًا لَهُ، أَنَّ قَوْمَهُ مِنْ قُرَيْشٍ فِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ وَفِي حَيْرَتِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ. قَالُوا: رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ:"مَا خَلَقَ اللَّهُ وَمَا ذَرَأَ وَلَا بَرَأَ نَفْسًا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَمَا سَمِعْت اللَّهَ أَقْسَمَ بِحَيَاةِ أَحَدٍ غَيْرِهِ". وَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ، وَلَا أَدْرِي مَا الَّذِي أَخْرَجَهُمْ عَنْ ذِكْرِ لُوطٍ إلَى ذِكْرِ مُحَمَّدٍ، وَمَا الَّذِي يَمْنَعُ أَنْ يُقْسِمَ اللَّهُ بِحَيَاةِ لُوطٍ، وَيَبْلُغَ بِهِ مِنَ التَّشْرِيفِ مَا شَاءَ؛ فَكُلُّ مَا يُعْطِي اللَّهُ لِلُوطٍ مِنْ فَضْلٍ وَيُؤْتِيه مِنْ شَرَفٍ فَلِمُحَمَّدٍ ضِعْفَاهُ؛ لِأَنَّهُ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ.

أَوَلَا تَرَاهُ1 قَدْ أَعْطَى لِإِبْرَاهِيمَ الْخُلَّةَ، وَلِمُوسَى التَّكْلِيمَ، وَأَعْطَى ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ، فَإِذَا أَقْسَمَ اللَّهُ بِحَيَاةِ لُوطٍ فَحَيَاةُ مُحَمَّدٍ أَرْفَعُ، وَلَا يُخْرَجُ مِنْ كَلَامٍ إلَى كَلَامٍ آخَرَ غَيْرِهِ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: {لَعَمْرُك إنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ} :

أَرَادَ بِهِ الْحَيَاةَ وَالْعَيْشَ، يُقَالُ: عُمْرٌ وَعَمْرٌ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ، وَقَالُوا: إنَّ أَصْلَهَا الضَّمُّ، وَلَكِنَّهَا فُتِحَتْ فِي الْقَسَمِ خَاصَّةً لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ؛ وَالِاسْتِعْمَالُ إنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِ الْقَسَمِ، فَأَمَّا الْقَسَمُ فَهُوَ بَعْضُ الِاسْتِعْمَالِ؛ فَلِذَلِكَ صَارَا لُغَتَيْنِ. فَتَدَبَّرُوا هَذَا.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: مَنْ أَقْسَمَ بِالنَّبِيِّ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُ أَقْسَمَ بِمَا لَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ إلَّا بِهِ، فَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، كَمَا لَوْ أَقْسَمَ بِاَللَّهِ.

وَقَدَّمْنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُقْسِمُ بِمَا شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَيْسَ لِخَلْقِهِ أَنْ يُقْسِمُوا إلَّا بِهِ لِقَوْلِهِ2:"مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُت". فَإِنْ أَقْسَمَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ آثِمٌ، أَوْ قَدْ أَتَى مَكْرُوهًا عَلَى قَدْرِ دَرَجَاتِ الْقَسَمِ وَحَالِهِ.

وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: إنَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالْمُؤَنَّثِينَ مِنْهُمْ يُقْسِمُونَ بِحَيَاتِك وَبِعَيْشِك، وَلَيْسَ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الذِّكْرِ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ أَقْسَمَ بِهِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَذَلِكَ بَيَانٌ لِشَرَفِ الْمَنْزِلَةِ وَشَرَفِ الْمَكَانَةِ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ سِوَاهُ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ.

1 في أ: ترى.

2 صحيح مسلم: 1267.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت