فهرس الكتاب

الصفحة 2298 من 2471

سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ

قَوْله تَعَالَى: {يَأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إلَّا قَلِيلًا}

أَيْضًا، لَكِنَّ الْحِكْمَةَ فِيهِ أَنْ يَقْدُمَ لِلدَّارِ الْأُخْرَى، وَيَعْتَمِدَ فِيهِ قَبْل1 الْعَمَلِ مَا هُوَ بِهِ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَلَوْ عُمْرُهُ كُلُّهُ بِالشُّكْرِ وَالذِّكْرِ وَرُزِقَ عَلَى ذَلِكَ قُدْرَةَ مَا كَانَ قَضَاءً لِحَقِّ النِّعْمَةِ، فَوَضَعَهُ اللَّهُ أَوْقَاتًا لِلْعِبَادَةِ، وَأَوْقَاتًا لِلْعَادَةِ. فَالنَّهَارُ2 خَمْسَةُ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: مِنَ الصُّبْحِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، مَحِلٌّ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَهُوَ فُسْحَةٌ لِلْفَرِيضَةِ، فَإِنْ أُدِّيَتْ كَانَتْ3 فِيهِ مَحِلًّا لِلذِّكْرِ.

وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا صَلَّى الصُّبْحَ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حِسًّا4، فَإِذَا طَلَعَتْ قَامَ إلَى وَظِيفَتِهِ الْآدَمِيَّةِ حَتَّى تَبْيَضَّ الشَّمْسُ، فَيَكُونَ هُنَالِكَ عِبَادَةً نَفْلِيَّةً يَمْتَدُّ وَقْتُهَا إلَى أَنْ تَجِدَ الْفِصَالُ حَرَّ الشَّمْسِ فِي الْأَرْضِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ إذَا رَمِضَتْ الْفِصَالُ"5.

وَهُوَ أَيْضًا خِلْفَةٌ لِمَنْ نَامَ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:"مَنْ فَاتَهُ حِزْبُهُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّاهُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَفُتْهُ"وَهُوَ مَغْمُورٌ بِحَالِ الْمَعَاشِ.

[قَالَ الْإِمَامُ] 6: كُنَّا بِثَغْرِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة مُرَابِطِينَ أَيَّامًا، وَكَانَ فِي أَصْحَابِنَا رَجُلٌ حَدَّادٌ، وَكَانَ يُصَلِّي مَعَنَا الصُّبْحَ، وَيَذْكُرُ اللَّهَ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، ثُمَّ يَحْضُرَ حَلْقَةَ الذِّكْرِ، ثُمَّ يَقُومُ إلَى حِرْفَتِهِ، حَتَّى إذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالظُّهْرِ رَمَى بِالْمِرْزَبَّةِ7 فِي أَثْنَاءِ الْعَمَلِ وَتَرَكَهُ، وَأَقْبَلَ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَجَاءَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى وَأَقَامَ فِي صَلَاةٍ أَوْ ذِكْرٍ حَتَّى يُصَلِّيَ الْعَصْرَ، ثُمَّ يَنْصَرِفَ إلَى مَنْزِلِهِ فِي مَعَاشِهِ، حَتَّى إذَا غَابَتْ الشَّمْسُ جَاءَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ عَادَ إلَى فِطْرِهِ، ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ فَيَرْكَعُ أَوْ يَسْمَعُ مَا يُقَالُ مِنَ العِلْمِ، حَتَّى إذَا صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ انْصَرَفَ إلَى مَنْزِلِهِ.

وَهُوَ مَحَلٌّ لِلْقَائِلَةِ، وَهِيَ8 نَوْمُ النَّهَارِ الْمُعَيَّنِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ الْعِلْمِ.

فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ حَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ، فَإِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ حَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَإِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ زَالَ النَّهَارُ بِوَظَائِفِهِ وَنَوَافِلِهِ.

1 في ش: من العمل.

2 في أ: النهار.

3 في أ: كان.

4 ساقط من ش.

5 رمضت الفصال: هي أن تحمى الرمضاء، وهي الرمل، فتبرك الفصال من شدة حرها وإحراقها أخفافها"النهاية".

6 ساقط من م، ش.

7 المرزبة: عصية من حديد.

8 في أ: وهو.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت