الْآيَةُ الرَّابِعَةُ
قَوْله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} [الأحزاب: 9] .
فِيهَا أَحْكَامٌ وَسِيَرٌ، وَقَدْ ذَكَرَهَا مَالِكٌ، وَتَكَلَّمَ عَلَيْهَا، وَهِيَ مُتَضَمِّنَةٌ غَزْوَةَ الْخَنْدَقِ، وَالْأَحْزَابِ، وَبَنِي قُرَيْظَةَ، وَكَانَتْ حَالَ شِدَّةٍ، مُعَقَّبَةٌ بِنِعْمَةٍ، وَرَخَاءٍ وَغِبْطَةٍ، وَذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً، وَيَقْتَضِي مَسَائِلَ ثَلَاثًا:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْقِتَالِ مِنَ المَدِينَةِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: {إذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} [الأحزاب: 10] قَالَ: ذَلِكَ يَوْمُ الْخَنْدَقِ، جَاءَتْ قُرَيْشٌ مِنْ هَاهُنَا، وَالْيَهُودُ مِنْ هَاهُنَا، وَالنَّجْدِيَّةُ مِنْ هَاهُنَا، يُرِيدُ مَالِكٌ أَنَّ الَّذِينَ جَاءُوا مِنْ فَوْقِهِمْ بَنُو قُرَيْظَةَ، وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، وَابْنُ الْقَاسِمِ: كَانَتْ وَقْعَةُ الْخَنْدَقِ سَنَةَ أَرْبَعٍ، وَهِيَ وَبَنُو قُرَيْظَةَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَبَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ أَرْبَعُ سِنِينَ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَتْ غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ سَنَةَ خَمْسٍ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ مَالِكٌ: بَلَغَنِي1 أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ قَالَ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ نَزَلَتْ عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ، وَجَاءَ لِيَحْكُمَ فِيهِمْ، وَهُوَ عَلَى أَتَانٍ، فَمَرَّ بِهِ حَتَّى لَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ الْمُنَافِقُ قَالَ: أَنْشَدْتُك اللَّهَ يَا سَعْدُ فِي إخْوَانِي وَأَنْصَارِي، ثَلَاثُمِائَةِ فَارِسٍ وَسِتُّمِائَةِ رَاجِلٍ، فَإِنَّهُمْ جَنَاحِي، وَهُمْ مَوَالِيك وَحُلَفَاؤُك.
فَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ آنَ لِسَعْدٍ أَلَّا تَأْخُذَهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، فَحَكَمَ فِيهِمْ سَعْدٌ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ، وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم:"لَقَدْ حَكَمَ فِيهِمْ سَعْدٌ بِحُكْمِ الْمَلِكِ".
زَادَ غَيْرُهُ:"مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ"2.
1"سيرة ابن هشام": [3/262] ، والطبري: [3/57] .
2 أرقعة: جمع رقيع، والرقيع السماء، سميت بذلك لأنها رقعة بالنجوم"النهاية"، وانظر"صحيح مسلم" [1389] .