الْآيَةُ الثَّانِيَةُ:
قَوْله تَعَالَى: {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2] .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ:
المسألة الْأُولَى: قَوْله تَعَالَى: {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ} :
ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:"نُصِرْت بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ"، فَكَيْفَ لَا يُنْصَرُ بِهِ مَسِيرَةَ مَيْلٍ مِنَ المَدِينَةِ إلَى مَحَلَّةِ بَنِي النَّضِيرِ. وَهَذِهِ خِصِّيصَةٌ لِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُونَ غَيْرِهِ.
المسألة الثَّانِيَةُ: قَوْله تَعَالَى: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ} :
فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ: يُخْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ بِنَقْضِ الْمُوَادَعَةِ، وَبِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ بِالْمُقَاتَلَةِ؛ قَالَهُ الزُّهْرِيُّ.
الثَّانِي: بِأَيْدِيهِمْ فِي تَرْكِهِمْ لَهَا، وَبِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فِي إجْلَائِهِمْ عَنْهَا؛ قَالَهُ أَبُو عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ.
الثَّالِثُ بِأَيْدِيهِمْ دَاخِلَهَا، وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ خَارِجَهَا؛ قَالَهُ عِكْرِمَةُ.
الرَّابِعُ كَانَ الْمُسْلِمُونَ إذَا هَدَمُوا بَيْتًا مِنْ خَارِجِ الْحِصْنِ هَدَمُوا بُيُوتَهُمْ يَرْمُونَهُمْ [مِنْهَا] 1.
الْخَامِسُ: كَانُوا يَحْمِلُونَ مَا يُعْجِبُهُمْ فَذَلِكَ خَرَابُ أَيْدِيهِمْ.
وَتَحْقِيقُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ: أَنَّ التَّنَاوُلَ لِلْإِفْسَادِ إذَا كَانَ بِالْيَدِ كَانَ حَقِيقَةً، وَإِنْ كَانَ بِنَقْضِ الْعَهْدِ كَانَ مَجَازًا، إلَّا أَنَّ قَوْلَ الزُّهْرِيِّ فِي الْمَجَازِ أَمْثَلُ مِنْ قَوْلِ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ.
المسألة الثَّالِثَةُ: زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ مَنْ قَرَأَهَا بِالتَّشْدِيدِ أَرَادَ هَدْمَهَا، وَمَنْ قَرَأَهَا بِالتَّخْفِيفِ أَرَادَ جَلَاءَهُمْ عَنْهَا؛ وَهَذِهِ دَعْوَى لَا يُعَضِّدُهَا لُغَةٌ وَلَا حَقِيقَةٌ، وَالتَّضْعِيفُ بَدِيلُ الْهَمْزَةِ فِي الْأَفْعَالِ.
المسألة الرَّابِعَةُ: قَوْله تَعَالَى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} :
وَهِيَ كَلِمَةٌ أُصُولِيَّةٌ قَدْ بَيَّنَّاهَا فِي مَوْضِعِهَا، وَمِنْ وُجُوهِ الِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ اعْتَصَمُوا بِالْحُصُونِ
1 في ش: بها.