الْآيَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْله تَعَالَى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 77] . فِيهَا مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: نَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ الْغُلُوِّ1 فِي الدِّينِ مِنْ طَرِيقَيْهِ: فِي التَّوْحِيدِ، وَفِي الْعَمَلِ؛ فَغُلُوُّهُمْ فِي التَّوْحِيدِ نِسْبَتُهُمْ لَهُ الْوَلَدَ سُبْحَانَهُ، وَغُلُوُّهُمْ فِي الْعَمَلِ مَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ الرَّهْبَانِيَّةِ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ وَالْعِبَادَةِ وَالتَّكْلِيفِ.
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 2 -:"لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ 3 مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرِ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ". وَهَذَا صَحِيحٌ لَا كَلَامَ فِيهِ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي"الصِّحَاحِ"أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ امْرَأَةً مِنْ اللَّيْلِ تُصَلِّي، فَقَالَ:"مَنْ هَذِهِ؟"قِيلَ: الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ لَا تَنَامُ اللَّيْلَ كُلَّهُ. فَكَرِهَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى عُرِفَتْ الْكَرَاهِيَةُ فِي وَجْهِهِ، وَقَالَ:"إنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، اكْلَفُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ".
1 الغلو: مجاوزة الحد، والإفراط.
2"صحيح مسلم": [2054] ، وفيه:لتتبعن.
3"الإصابة": [4/ 270] .