فهرس الكتاب

الصفحة 1798 من 2471

الْآيَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ:

قَوْله تعالى: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [النمل: 35] . فِيهَا مَسْأَلَتَانِ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: يُرْوَى أَنَّهَا قَالَتْ: إنْ كَانَ نَبِيًّا لَمْ يَقْبَلْ الْهَدِيَّةَ، وَإِنْ كَانَ مَلِكًا قَبِلَهَا.

وَفِي صِفَةِ النَّبِيِّ أَنَّهُ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ، وَلَا يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ. وَكَذَلِكَ كَانَ سُلَيْمَانُ، وَجَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ يَقْبَلُونَ الْهَدِيَّةَ.

وَإِنَّمَا جَعَلَتْ بِلْقِيسُ قَبُولَ الْهَدِيَّةِ أَوْ رَدَّهَا عَلَامَةً عَلَى مَا فِي نَفْسِهَا؛ لِأَنَّهُ قَالَ لَهَا فِي كِتَابِهِ: {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل: 31] . وَهَذَا لَا تُقْبَلُ فِيهِ فِدْيَةٌ، وَلَا تُؤْخَذُ عَنْهُ هَدِيَّةٌ.

وَلَيْسَ هَذَا مِنَ البَابِ الَّذِي تَقَرَّرَ فِي الشَّرِيعَةِ مِنْ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ بِسَبِيلٍ؛ وَإِنَّمَا هِيَ رِشْوَةٌ، وَبَيْعُ الْحَقِّ بِالْمَالِ1 هُوَ الرِّشْوَةُ الَّتِي لَا تَحِلُّ.

وَأَمَّا الْهَدِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ لِلتَّحَبُّبِ وَالتَّوَاصُلِ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَهَذَا مَا لَمْ تَكُنْ مِنْ مُشْرِكٍ؛ فَإِنْ كَانَتْ مِنْ مُشْرِكٍ، فَفِي الْحَدِيثِ:"نُهِيت عَنْ زَبْدِ2 الْمُشْرِكِينَ".

وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ:"لَقَدْ هَمَمْت أَلَّا أَقْبَلَ هَدِيَّةً إلَّا مِنْ ثَقَفِيٍّ أَوْ دَوْسِيٍّ".

وَالصَّحِيحُ مَا ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا.

وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ:"لَوْ دُعِيت إلَى كُرَاعٍ3 لَأَجَبْت، وَلَوْ أُهْدِيَ إلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْت".

وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِأَصْحَابِهِ فِي الصَّيْدِ:"هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ؟"قُلْت: نَعَمْ. فَنَاوَلْته الْعَضُدَ.

1 في م، و"القرطبي": بالباطل.

2 الزبد: الرفد والعطاء. قال الخطابي: يشبه أن يكون هذا الحديث منسوخًا، لأنه قد قبل هدية غير واحد من المشركين؛ أهدى له المقوقس مارية والبغلة، وأهدى له أكيدر رومة فقبل منهما"النهاية".

3 الكراع من الدابة: مستدق الساق.

4 شيب: خلط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت