قَوْله تَعَالَى: {إنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ}
38-سُورَةُ ص فِيهَا إحْدَى عَشْرَةَ آيَةً الْآيَةُ الْأُولَى:
قَوْله تَعَالَى: {إنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ} [ص: 18، 19] .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ سَبَأٍ: {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} ؛ فَأَذِنَ اللَّهُ لِلْجِبَالِ، وَخَلَقَ فِيهَا، وَيَسَّرَ لَهَا أَنْ تُسَبِّحَ مَعَ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ إذَا سَبَّحَ وَكَذَلِكَ الطَّيْرُ؛ وَكَانَ تَسْبِيحُ دَاوُد إثْرَ صَلَاتِهِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَعِنْدَ غُرُوبِهَا، وَهِيَ صَلَاةُ الْأُمَمِ قَبْلَنَا فِيمَا يَرْوِي أَهْلُ التَّفْسِيرِ، ثُمَّ قَالَ: {وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً} وَهِيَ:
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ {كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ} :
أَيْ رَاجِعٌ إلَيْهِ، تَرْجِعُ مَعَهُ، وَتُسَبِّحُ بِتَسْبِيحِهِ، وَتَحِنُّ إلَى صَوْتِهِ لِحُسْنِهِ، وَتُمَثِّلُ مِثْلَ عِبَادَتِهِ لِرَبِّهِ.
فَإِنْ قِيلَ: وَهَلْ لِلطَّيْرِ عِبَادَةٌ أَوْ تَكْلِيفٌ؟
قُلْنَا: كُلٌّ لَهُ عِبَادَةٌ، وَكُلٌّ لَهُ تَسْبِيحٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْكُلُّ مُكَلَّفٌ بِتَكْلِيفِ التَّسْخِيرِ، وَلَيْسَ بِتَكْلِيفِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ؛ وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ آيَةً لِدَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَرَامَةً مِنْ تَسْخِيرِ الْكُلِّ لَهُ تَسْخِيرَ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، وَآمَنَ الْجِنُّ بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إيمَانَ الِاخْتِيَارِ وَالطَّاعَةِ، فَقَالُوا: {إنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ} [الجن: 1-2] {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ} [الأحقاف: 30] .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا كُنْت أَعْلَمُ صَلَاةَ الضُّحَى فِي الْقُرْآنِ حَتَّى سَمِعْت اللَّهَ يَقُولُ {يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ} وَعَلَى هَذَا جَاءَ قَوْلُهُ أَيْضًا فِي أَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ، {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ} [النور: 36- 37] .