فهرس الكتاب

الصفحة 1406 من 2471

الْآيَةُ السَّابِعَةُ:

قَوْله تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ} [النحل: 66] . فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ} :

فَجَاءَ الضَّمِيرُ بِلَفْظِ التَّذْكِيرِ عَائِدًا عَلَى جَمْعِ مُؤَنَّثٍ. وَأَجَابَ الْعُلَمَاءُ عَنْ ذَلِكَ بِسِتَّةِ أَجْوِبَةٍ:

الْأَوَّلُ: قَالَ سِيبَوَيْهِ: الْعَرَبُ تُخْبِرُ عَنْ الْأَنْعَامِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَمَا أَرَاهُ عَوَّلَ عَلَيْهِ إلَّا فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَهَذَا لَا يُشْبِهُ مَنْصِبَهُ، وَلَا يَلِيقُ بِإِدْرَاكِهِ.

الثَّانِي: قَالَ الْكِسَائِيُّ: مَعْنَاهُ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِ مَا ذَكَرْنَا، وَهَذَا تَقْدِيرٌ بَعِيدٌ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ.

الثَّالِثُ: قَالَ الْفَرَّاءُ: الْأَنْعَامُ وَالنِّعَمُ وَاحِدٌ، وَالنَّعَمُ مُذَكَّرٌ1، وَلِهَذَا تَقُولُ الْعَرَبُ: هَذَا نَعَمٌ وَارِدٌ، فَرُجِعَ إلَى لَفْظِ النَّعَمِ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْأَنْعَامِ، وَهَذَا تَرْكِيبٌ طَوِيلٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ.

الرَّابِعُ: قَالَ الْكِسَائِيُّ أَيْضًا: إنَّمَا يُرِيدُ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِ بَعْضِهِ، وَهُوَ2 الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ أَبُو عُبَيْدَةَ، فَإِنَّهُ قَالَ: مَعْنَاهُ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِ أَيُّهَا3 كَانَ لَهُ لَبَنٌ مِنْهَا.

الْخَامِسُ: أَنَّ التَّذْكِيرَ إنَّمَا جِيءَ بِهِ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ عَلَى ذِكْرِ النَّعَمِ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ لِلذَّكَرِ مَنْسُوبٌ.

وَلِذَلِكَ قَضَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِأَنَّ اللَّبَنَ لِلْفَحْلِ حِينَ أَنْكَرَتْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي حَدِيثِ أَفْلَحَ أَخِي أَبِي الْقُعَيْسِ؛ فَقَالَتْ: إنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ. فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"إنَّهُ عَمُّك فَلْيَلِجْ عَلَيْك".

بَيَانٌ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم لِأَنَّ اللَّبَنَ لِلْمَرْأَةِ سَقْيٌ، وَلِلرَّجُلِ إلْقَاحٌ، فَجَرَى الِاشْتِرَاكُ بَيْنَهُمَا فِيهِ. وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي"كُتُبِ الْخِلَافِ"وَ"شَرْحِ الْحَدِيثِ"، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ.

1 في م: تذكر.

2 في م: وهذا.

3 في م: ماكان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت