الثالث: نزلت في عكل أو عرينة1, قدم منهم نفر على النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وتكلموا بالإسلام, فقالوا: يا نبي الله؛ إنا كنا أهل ضرع, ولم نكن أهل ريف, واستوخموا المدينة, فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذود2 وراع, وأمرهم أن يخرجوا فيه, فيشربوا من ألبانها وأبوالها, فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم, وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا الذود؛ فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فبعث الطلب في آثارهم, فأمر بهم فسملوا3 أعينهم, وقطعوا أيديهم, وتركوا في ناحية الحرة4 حتى ماتوا على حالتهم.
وقال قتادة: فبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة.
هذا في"الصحيح"من قصتهم, وتمامها على الاستيفاء في صريح الصحيح, زاد الطبري: وفي ذلك نزلت هذه الآية, ورواه جماعة.
الرابع: أن هذه الآية نزلت معاتبة للنبي صلى الله عليه وسلم في شأن العرنيين؛ قاله الليث.
الخامس: قال قتادة: هي ناسخة لما فعل في العرنيين.
المسألة الثالثة: في تحقيق ذلك:
لو ثبت أن هذه الآية نزلت في شأن عكل أو عرينة لكان غرضا ثابتا, ونصا صريحا.
واختار الطبري أنها نزلت في يهود, ودخل تحتها كل ذمي وملي. وهذا ما لم يصح, فإنه لم يبلغنا أن أحدا من اليهود حارب, ولا أنه جوزي بهذا الجزاء.
ومن قال: إنها نزلت في المشركين أقرب إلى الصواب؛ لأن عكلا وعرينة ارتدوا وقتلوا وأفسدوا, ولكن يبعد؛ لأن الكفار لا يختلف حكمهم5 في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة, كما يسقط قبلها, وقد قيل للكفار: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] . وقال في المحاربين: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المائدة: 34] . وكذلك المرتد يقتل بالردة دون المحاربة, وفي الآية النفي لمن لم يتب قبل القدرة, والمرتد لا ينفى, وفيها قطع اليد والرجل, والمرتد لا تقطع له يد ولا رجل؛ فثبت أنها لا يراد بها المشركون ولا المرتدون.
1 في"القرطبي": [6/ 148] : نزلت في العرنيين.
2 في"القرطبي": بلقاح. والذود من الإبل: ما بين الثلاث إلى العشر.
3 سمل عينه: فقأها.
4 الحرة: أرض خارج المدينة ذات حجارة سود.
5 في ل: لا يختلف حكمهم فلا يلزم صلبهم.