فهرس الكتاب

الصفحة 1390 من 2471

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ: {وَاعْبُدْ رَبَّك حَتَّى يَأْتِيَك الْيَقِينُ} [الحجز: 99] .

أَمَرَهُ بِعِبَادَتِهِ إذَا قَصَّرَ عِبَادُهُ فِي خِدْمَتِهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ طِبُّ عِلَّتِهِ، وَهِيَ كَمَا قَدَّمْنَا أَشْرَفُ الْخِصَالِ، وَالتَّسَمِّي بِهَا أَشْرَفُ الْخُطَطِ.

قَالَ شُيُوخُ الْمَعَانِي: أَلَا تَرَيْ كَيْفَ سَمَّى اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ عِنْدَ أَفْضَلِ مَنَازِلِهِ، وَهِيَ الْإِسْرَاءُ، فَقَالَ: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [الإسراء: 1] وَلَمْ يَقُلْ نَبِيِّهِ وَلَا رَسُولِهِ، وَلَقَدْ أَحْسَنَ الشَّاعِرُ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنَ اللَّفْظِ حَيْثُ يَقُولُ:

يَا قَوْمِ قَلْبِي عِنْدَ زَهْرَاءَ

يَعْرِفُهُ السَّامِعُ وَالرَّائِي

لَا تَدْعُنِي إلَّا بِيَا عَبْدَهَا

فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِي.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: الْيَقِينُ: الْمَوْتُ، فَأَمَرَهُ بِاسْتِمْرَارِ الْعِبَادَةِ أَبَدًا، وَذَلِكَ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، وَكَانَ هَذَا أَبْلَغُ مِنْ قَوْلِهِ أَبَدًا، لِاحْتِمَالِ لَفْظَةِ الْأَبَدِ لِلَّحْظَةِ الْوَاحِدَةِ، وَلِجَمِيعِ الْأَبَدِ، كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيًّا} [مريم: 31] .

وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْيَقِينَ الْمَوْتَ:

أَنَّ أُمَّ الْعَلَاءِ الْأَنْصَارِيَّةَ وَكَانَتْ بَايَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَخْبَرَتْ أَنَّهُمْ اقْتَسَمُوا الْمُهَاجِرِينَ قُرْعَةً، فَصَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ قَالَتْ: فَأَنْزَلْنَاهُ مَعَ أَبْنَائِنَا، فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَغُسِّلَ وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْت: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْك أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْك، لَقَدْ أَكْرَمَك اللَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"وَمَا يُدْرِيك أَنَّ اللَّهَ أَكْرَمَهُ؟"قُلْت: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَهْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ، وَاَللَّهِ إنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ". الْحَدِيثَ.

وَيَتَرَكَّبُ عَلَى هَذَا أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَبَدًا، وَقَالَ: نَوَيْت يَوْمًا أَوْ شَهْرًا كَانَتْ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ. وَلَوْ قَالَ: طَلَّقْتهَا حَيَاتَهَا لَمْ يُرَاجِعْهَا، وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي"كُتُبِ الْفُرُوعِ". وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت