فهرس الكتاب

الصفحة 1038 من 2471

مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة: 286] . وَقَالَ: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الإسراء: 15] فَقَدْ أَخْبَرَنَا رَبُّنَا أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبْتِ رَهِينَةٌ، وَأَنَّهُ لَا يُؤَاخِذُ أَحَدًا بِذَنْبِ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا تَتَعَلَّقُ كُلُّ عُقُوبَةٍ بِصَاحِبِ الذَّنْبِ، بَيْدَ أَنَّ النَّاسَ إذَا تَظَاهَرُوا بِالْمُنْكَرِ فَمِنْ الْفَرْضِ عَلَى كُلِّ مَنْ رَآهُ أَنْ يُغَيِّرَهُ، فَإِذَا سَكَتَ عَنْهُ فَكُلُّهُمْ عَاصٍ، هَذَا بِفِعْلِهِ، وَهَذَا بِرِضَاهُ بِهِ. وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ فِي حُكْمِهِ وَحِكْمَتِهِ الرَّاضِيَ بِمَنْزِلَةِ الْعَامِلِ؛ فَانْتَظَمَ الذَّنْبُ بِالْعُقُوبَةِ، وَلَمْ يَتَعَدَّ مَوْضِعَهُ، وَهَذَا نَفِيسٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ.

فَإِنْ قِيلَ، وَهِيَ:

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فَمَا مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ؟

قُلْنَا: هِيَ آيَةٌ بَدِيعَةٌ، وَمَعْنَاهَا عَلَى النَّاسِ مُرْتَبِكٌ، وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي قَبَسِ الْمُوَطَّأِ، وَفِي مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ .

لُبَابُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: {اتَّقُوا} أَمْرٌ. وَقَوْلُهُ: {لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا} نَهْيٌ، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ جَوَابَ الْأَمْرِ، فَيَبْقَى الْأَمْرُ بِغَيْرِ جَوَابٍ، فَيُشْكِلُ الْخِطَابُ.

وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: {لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا} نَهْيٌ دُخُولُ1 النُّونِ الثَّقِيلَةِ فِيهِ، وَهِيَ لَا تَدْخُلُ إلَّا عَلَى فِعْلِ النَّهْيِ، أَوْ جَوَابِ الْقَسَمِ.

وَلَا تَظُنُّوا أَنَّ إشْكَالَ هَذِهِ الْآيَةِ حَدَثَ بَيْنَ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ بَلْ هُوَ أَمْرٌ سَالِفٌ عِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَلِذَلِكَ قَرَأَهَا قَوْمٌ: وَاتَّقُوا فِتْنَةً أَنْ تُصِيبَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً. وَقَرَأَهَا آخَرُونَ: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَتُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً. وَهَكَذَا يُرْوَى فِيهَا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَكَانَ يَقُولُ ابْنُ مَسْعُودٍ إذَا قَرَأَهَا: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَلَهُ فِتْنَةٌ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ.

وَكَانَ الزُّبَيْرُ يَقُولُ: كُنَّا نَظُنُّهَا لِغَيْرِنَا فَإِذَا بِهَا قَدْ أَصَابَتْنَا. وَكَذَلِكَ كَانَ يَرَى ابْنُ عَبَّاسٍ.

وَأَمَّا فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ فَلَا تَتَعَدَّاهُ، وَلَا تَأْخُذُ بِالْعُقُوبَةِ سِوَاهُ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى فِي الْآيَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ.

فَأَمَّا اعْتِرَاضُهُمْ بِالْإِعْرَابِ وَهِيَ:

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فَقَدْ أَوْضَحْنَاهَا فِي الرِّسَالَةِ الْمُلْجِئَةِ وَقُلْنَا: فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:

الْأَوَّلُ: أَنَّهُ أَمْرٌ ثُمَّ نَهْيٌ، كُلُّ وَاحِدٍ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ، كَمَا تَقُولُ: قُمْ غَدًا. لَا تَتَكَلَّمْ الْيَوْمَ.

1 كلمة"دخول"خبر أن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت