{فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ} [محمد: 35] .
فَإِذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عِزَّةٍ، وَفِي قُوَّةٍ وَمَنَعَةٍ، وَمَقَانِبَ1 عَدِيدَةٍ، وَعُدَّةٍ شَدِيدَةٍ2:
فَلَا صُلْحَ حَتَّى تُطْعَنَ الْخَيْلُ بِالْقَنَا وَتُضْرَبَ بِالْبِيضِ الرِّقَاقِ الْجَمَاجِمُ
وَإِنْ كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ مَصْلَحَةٌ فِي الصُّلْحِ لِانْتِفَاعٍ يُجْلَبُ بِهِ، أَوْ ضُرٍّ يَنْدَفِعُ بِسَبَبِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْتَدِئَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ إذَا احْتَاجُوا إلَيْهِ، وَأَنْ يُجِيبُوا إذَا دُعُوا إلَيْهِ وَقَدْ صَالَحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى شُرُوطٍ نَقَضُوهَا، فَنَقَضَ صُلْحَهُمْ، وَقَدْ وَادَعَ الضَّمْرِيُّ3 ، وَقَدْ صَالَحَ أُكَيْدِرَ دَوْمَةَ، وَأَهْلَ نَجْرَانَ، وَقَدْ هَادَنَ قُرَيْشًا لِعَشَرَةِ أَعْوَامٍ حَتَّى نَقَضُوا عَهْدَهُ، وَمَا زَالَتْ الْخُلَفَاءُ وَالصَّحَابَةُ عَلَى هَذِهِ السَّبِيلِ الَّتِي شَرَعْنَاهَا سَالِكَةً، وَبِالْوُجُوهِ الَّتِي شَرَحْنَاهَا عَامِلَةً.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: عَقْدُ الصُّلْحِ لَيْسَ بِلَازِمٍ لِلْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا هُوَ جَائِزٌ بِاتِّفَاقِهِمْ أَجْمَعِينَ: إذْ يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ لِلْإِمَامِ أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ، فَيَقُولَ: نَبَذْت إلَيْكُمْ عَهْدَكُمْ، فَخُذُوا مِنِّي حِذْرَكُمْ، وَهَذَا عِنْدِي إذَا كَانُوا هُمْ الَّذِينَ طَلَبُوهُ؛ فَإِنْ طَلَبَهُ الْمُسْلِمُونَ لِمُدَّةٍ لَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ قَبْلَهَا إلَّا بِاتِّفَاقٍ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: وَيَجُوزُ عِنْدَ الْحَاجَةِ لِلْمُسْلِمِينَ عَقْدُ الصُّلْحِ بِمَالٍ يَبْذُلُونَهُ لِلْعَدُوِّ: وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مُوَادَعَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ وَغَيْرِهِ يَوْمَ الْأَحْزَابِ، عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ نِصْفَ تَمْرِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ السَّعْدَانِ4: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ إنْ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ فَامْضِ لَهُ، وَإِنْ كَانَ أَمْرًا لَمْ تُؤْمَرْ بِهِ، وَلَك فِيهِ هَوًى فَسَمْعٌ وَطَاعَةٌ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الرَّأْيَ وَالْمَكِيدَةَ، فَأَعْلِمْنَا بِهِ.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:"إنَّمَا هُوَ الرَّأْيُ وَالْمَكِيدَةُ؛ لِأَنِّي رَأَيْت الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ بِقَوْسٍ وَاحِدَةٍ فَأَرَدْت أَنْ أَدْفَعَهَا عَنْكُمْ إلَى يَوْمٍ".
فَقَالَ السَّعْدَانِ: إنَّا كُنَّا كُفَّارًا، وَمَا طَمِعُوا مِنْهَا بِتَمْرَةٍ إلَّا بِشِرَاءٍ أَوْ بِقِرًى، فَإِذَا أَكْرَمَنَا اللَّهُ
1 في ل: وضغائن. والمقانب: جمع مقنب، وهو من الخيل ما بين الثلاثين إلى الأربعين. وقيل: هي دون المائة.
2"القرطبي": [8/ 40] .
3 كان هذا في غزوة الأبواء.
4 هما سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة.