فهرس الكتاب

الصفحة 1078 من 2471

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي سَبَبِ نُزُولِهَا1:

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَتَّى يُثْخِنَ2 فِي الْأَرْضِ، وَذَلِكَ يَوْمُ بَدْرٍ، وَالْمُسْلِمُونَ قَلِيلٌ، فَلَمَّا كَثُرُوا قَالَ اللَّهُ: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [ محمد: 4] ، فَخَيَّرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى، وَهَكَذَا قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ بَعْدَهُ.

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَجِيءَ بِالْأَسْرَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:"مَا تَقُولُونَ فِي هَؤُلَاءِ الْأَسْرَى ؟"فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ قَوْمُك وَأَهْلُك، فَاسْتَبْقِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ. قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ كَذَّبُوك وَأَخْرَجُوك، قَدِّمْهُمْ وَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ.

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ اُنْظُرْ وَادِيًا كَثِيرَ الْحَطَبِ فَأَدْخِلْهُمْ فِيهِ، ثُمَّ أَضْرِمْهُ عَلَيْهِمْ نَارًا. فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: قَطَعْتَ رَحِمَك. فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُجِبْهُمْ، ثُمَّ دَخَلَ، فَقَالَ نَاسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ. وَقَالَ نَاسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ. وَقَالَ نَاسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ.

ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ:"إنَّ اللَّهَ لَيُلِينُ قُلُوبَ قَوْمٍ حَتَّى تَكُونَ أَلْيَنَ مِنْ اللِّينِ، وَيَشُدُّ قُلُوبَ قَوْمٍ حَتَّى تَكُونَ أَشَدَّ مِنْ الْحِجَارَةِ، وَإِنَّ مَثَلَك يَا أَبَا بَكْرٍ مَثَلُ إبْرَاهِيمَ إذْ قَالَ: {فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّك غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم: 36] . وَمَثَلُ عِيسَى حِينَ قَالَ: {إنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُك } الآية. وَمَثَلُك يَا عُمَرُ مَثَلُ نُوحٍ إذْ قَالَ: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [المائدة: 118] . وَمَثَلُ مُوسَى إذْ قَالَ: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ } [يونس: 88] . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَنْتُمْ الْيَوْمَ عَالَةٌ فَلَا يَفْلِتَنَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ إلَّا بِفِدَاءٍ أَوْ ضَرْبَةِ عُنُقٍ"."

فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إلَّا سُهَيْلُ3 بْنُ بَيْضَاءَ، فَإِنِّي سَمِعْته يَذْكُرُ الْإِسْلَامَ. فَسَكَتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَا رَأَيْتُنِي فِي يَوْمٍ أَخْوَفَ أَنْ تَقَعَ عَلَيَّ الْحِجَارَةُ مِنْ السَّمَاءِ مِنِّي فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ حَتَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:"إلَّا سُهَيْلُ ابْنُ بَيْضَاءَ".

رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُخْتَصَرًا عَنْ أَقْوَالِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنِ رَوَاحَةَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.

1"أسباب النزول": [136] ، و"القرطبي": [8/ 45] .

2 الإثخان في الشيء: المبالغة والإكثار منه، والمراد هنا: المبالغة في قتل الكفار.

3 في ل: سهل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت