قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ لَنَا مَالِكٌ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِصَفْوَانَ يَوْمَ حُنَيْنٍ: وَاَللَّهِ لَا نَرْتَدُّ أَبَدًا. فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ: وَاَللَّهِ لَرَبٌّ مِنْ قُرَيْشٍ خَيْرٌ مِنْ رَبٍّ مِنْ هَوَازِنَ.
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَعْطَى صَفْوَانَ مَثْنَى1 مِئِينَ أَوْ ثَلَاثَ. وَقَالَ صَفْوَانُ: لَقَدْ حَضَرْت حُنَيْنًا وَمَا أَحَدٌ مِنْ الْخَلْقِ أَبْغَضُ إلَيَّ مِنْهُ، فَمَا زَالَ يُعْطِينِي حَتَّى مَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إلَيَّ مِنْ الْخَلْقِ مِنْهُ. وَكَانَ صَفْوَانُ مِنْ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبِهِمْ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَابْنُ وَهْبٍ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ صَفْوَانَ حِينَ أَعْطَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَعْطَاهُ أَكَانَ مُسْلِمًا أَوْ مُشْرِكًا ؟ قَالَ: مَا سَمِعْت شَيْئًا، وَمَا أَرَاهُ كَانَ إلَّا مُشْرِكًا. وَلَقَدْ قَالَ: رَبٌّ مِنْ قُرَيْشٍ خَيْرٌ مِنْ رَبٍّ مِنْ هَوَازِنَ وَمَا هَذَا بِكَلَامِ مُسْلِمٍ. وَكَانَ مِنْ أَشَدِّهِمْ2 قَوْلًا حِينَ قَالَ صَفْوَانُ: لَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ أُمَيَّةَ إذْ لَمْ يَرَ هَذَا الْأَسْوَدَ فَوْقَ الْكَعْبَةِ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ مَالِكٌ: كَانَ شِعَارُهُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ، يَا أَصْحَابَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
قَالَ مَالِكٌ: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَمَ وَجْهَهُ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ بِالسُّقْيَا3 جَاءَهُ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَكَانَ شَاعِرًا، فَأَنْشُدهُ شِعْرَهُ لِيَعْلَم مَا عِنْدَهُ وَيَنْظُرَ مَا فِي نَفْسِهِ، فَأَنْشَدَهُ4:
قَضَيْنَا مِنْ تِهَامَةَ كُلَّ إرْبٍ5 وَخَيْبَرَ ثُمَّ أَجَمَمْنَا السُّيُوفَا
نُسَائِلُهَا6 وَلَوْ نَطَقَتْ لَقَالَتْ قَوَاطِعُهُنَّ دَوْسًا أَوْ ثَقِيفَا
قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَالْقَصِيدَةُ مَشْهُورَةٌ، وَتَمَامُهَا:
فَلَسْت لِحَاضِنٍ7 إنْ لَمْ تَرَوْهَا بِسَاحَةِ دَارِكُمْ مِنَّا أَلُوفَا
وَتُنْتَزَعُ الْعُرُوشُ بِبَطْنِ وَجٍّ وَتُصْبِحُ دَارُكُمْ مِنَّا خُلُوفَا
وَتَأْتِيكُمْ لَنَا سَرْعَانُ خَيْلٍ يُغَادِرُ خَلْفَهُ جَمْعًا كَثِيفَا
إذَا نَزَلُوا بِسَاحَتِكُمْ سَمِعْتُمْ لَهَا مِمَّا أَنَاخَ بِهَا رَجِيفَا
1 هكذا في أ، وفي ل: مثلين.
2 في أ: من أشرهم.
3 السقيا: المسيل الذي يفرغ في عرفة ومسجد إبراهيم، وهي بئر بالمدينة"ياقوت".
4"سيرة ابن هشام" [4/ 122] .
5 في"السيرة": كل ريب.
6 في"السيرة": نخبرها.
7 في أ: لحاضر. والحاضن: المرأة التي تحضن ولدها.