فِيهِ مِنْ الشَّارِعِ نَصٌّ، وَلَكِنْ وَرَدَ فِيهِ تَنْبِيهٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الصَّحِيحِ:"لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا".
وَفِي تَقْدِيرِهِ1 اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ بَيَّنَّاهُ فِي الْمَسَائِلِ.
وَالْعُمْدَةُ فِيهِ أَنَّ الْعِبَادَةَ تَثْبُتُ فِي الذِّمِّةِ بِيَقِينٍ، فَلَا بَرَاءَةَ لَهَا إلَّا بِيَقِينٍ مُسْقِطٍ؛ وَقَدْرُ السَّفَرِ مَشْكُوكٌ فِيهِ حَتَّى يَكُونَ سَفَرًا ظَاهِرًا، فَيَسْقُطُ الْأَصْلُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَبَحْثُهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَسْأَلَتِنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا عَلَّقَ الْحُكْمَ بِالسَّفَرِ عَلِمَتْ الْعَرَبُ ذَلِكَ بِفَضْلِ عِلْمِهَا بِلِسَانِهَا، وَجَرْيِ عَادَتِهَا فِي أَعْمَالِهَا؛ فَلَمَّا جَاءَ الْأَمْرُ اقْتَصَرْنَا فِيهِ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ، وَعَلَى هَذَا الْأَمْرِ مَبْنَى الْخِلَافِ؛ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: أَقَلُّ السَّفَرِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَقَلُّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:"لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [أَنْ تُسَافِرَ] 2 سَفَرَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ".
وَفِي حَدِيثٍ:"وَسَفَرُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ"وَفِي آخَرَ وَذَكَرَ تَمَامَهُ؛ فَرَأَى أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّ السَّفَرَ يَتَحَقَّقُ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ: يَوْمٍ يَتَحَمَّلُ فِيهِ عَنْ أَهْلِهِ، وَيَوْمٍ يَنْزِلُ فِيهِ فِي3 مُسْتَقَرِّهِ، وَالْيَوْمِ الْأَوْسَطِ هُوَ الَّذِي يَتَحَقَّقُ فِيهِ السَّيْرُ الْمُجَرَّدُ، بِتَحَمُّلٍ لَا عَنْ مَوْضِعِ الْإِقَامَةِ، وَنُزُولٍ لَا فِي مَوْضِعِ الْإِقَامَةِ.
وَقُلْنَا لَهُ: إذَا كَانَ السَّفَرُ مُتَحَقِّقًا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي كَمَا سَرَدْت فَالْيَوْمُ الْأَوَّلُ مِثْلُهُ، وَلَا عِبْرَةَ بِالتَّحَمُّلِ عَنْ الْأَهْلِ وَالْوَطَنِ، وَإِنَّمَا الْمُعَوَّلُ فِي تَحْقِيقِ السَّفَرِ عَلَى الْمَبِيتِ فِي غَيْرِ الْمَنْزِلِ، ثُمَّ التَّحْدِيدُ بِسِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ مِيلًا، أَوْ ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ مِيلًا مَرَاحِلُ لَا تُدْرَكُ بِتَحْقِيقٍ أَبَدًا، وَإِنَّمَا هِيَ ظُنُونٌ؛ فَرَجُلٌ احْتَاطَ وَزَادَ، وَرَجُلٌ تَرَخَّصَ، وَرَجُلٌ تَقَصَّرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: قَوْله تَعَالَى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} :
قَالَ عُلَمَاؤُنَا: هَذَا الْقَوْلُ مِنْ لَطِيفِ الْفَصَاحَةِ، لِأَنَّ تَقْرِيرَهُ4: فَأَفْطَرَ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ} تَقْدِيرُهُ فَحَلَقَ فَفِدْيَةٌ.
1 في أ: وفي تقريره
2 من م
3 في أ: عن
4 في: تقديره