وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالظُّلْمِ عَلَى قَوْلَيْنِ أَيْضًا:
أَحَدُهُمَا: لَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ بِتَحْلِيلِهِنَّ. وَقِيلَ: بِارْتِكَابِ الذُّنُوبِ فِيهِنَّ؛ فَإِنَّ اللَّهَ إذَا عَظَّمَ شَيْئًا مِنْ جِهَةٍ صَارَتْ لَهُ حُرْمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِذَا عَظَّمَهُ مِنْ جِهَتَيْنِ أَوْ مِنْ جِهَاتٍ صَارَتْ حُرْمَتُهُ مُتَعَدِّدَةً بِعَدَدِ جِهَاتِ التَّحْرِيمِ، وَيَتَضَاعَفُ الْعِقَابُ بِالْعَمَلِ السُّوءِ1 فِيهَا، كَمَا ضَاعَفَ الثَّوَابَ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ فِيهَا؛ فَإِنَّ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ2 الْحَرَامِ لَيْسَ كَمَنْ أَطَاعَهُ فِي شَهْرٍ حَلَالٍ فِي بَلَدٍ حَلَالٍ فِي بُقْعَةٍ حَلَالٍ. وَكَذَلِكَ الْعِصْيَانُ وَالْعَذَابُ مِثْلُهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَالْحَالَيْنِ وَالصِّفَتَيْنِ؛ وَذَلِكَ كُلُّهُ بِحُكْمِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ. وَقَدْ أَشَارَ تَعَالَى إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} [الأحزاب: 30] لِعِظَمِهِنَّ3 وَشَرَفِهِنَّ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: فَإِنْ قِيلَ: و كَيْفَ جَعَلَ بَعْضَ الْأَزْمِنَةِ أَعْظَمَ حُرْمَةً مِنْ بَعْضٍ؟
قُلْنَا: عَنْهُ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، لَيْسَ عَلَيْهِ حَجْرٌ، وَلَا لِعَمَلِهِ عِلَّةٌ؛ بَلْ كُلُّ ذَلِكَ بِحِكْمَةٍ، وَقَدْ يَظْهَرُ لِلْخَلْقِ وَجْهُ الْحِكْمَةِ فِيهِ، وَقَدْ يَخْفَى.
الثَّانِي: أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ النَّفْسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى اقْتِضَاءِ الشَّهَوَاتِ، فَلَمَّا وَجَبَتْ4 عَلَيْهِ تَكَالِيفُ الْمُحَرَّمَاتِ جَعَلَ بَعْضَهَا أَغْلَظَ مِنْ بَعْضٍ، لِيُعْتَادَ بِكَفِّهَا عَنْ الْأَخَفِّ، الْكَفُّ عَنْ الْأَغْلَظِ، وَيَجْعَلُ بَعْضَ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ أَعْظَمَ حُرْمَةً مِنْ بَعْضٍ؛ لِيُعْتَادَ فِي الْخَفِيفِ الِامْتِثَالُ، فَيَسْهُلَ عَلَيْهِ فِي الْغَلِيظِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْأَشْهُرِ [الْحُرُمِ] 5 ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَوَّلُهَا الْمُحَرَّمُ وَآخِرُهَا ذُو الْحِجَّةِ، لِأَنَّهُ عَلَى تَقْرِيرِ6 شُهُورِ الْعَامِ، الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ.
الثَّانِي: أَنَّ أَوَّلَهَا رَجَبٌ، وَآخِرُهَا الْمُحَرَّمُ مَعْدُودَةً مِنْ عَامَيْنِ؛ لِأَنَّ رَجَبًا لَهُ فَضْلُ الْإِفْرَادِ.
1 في أ: العمل الصالح فيما كان - وهو تحريف، وفي"القرطبي" [8 /134] بالعمل السيء.
2 في ل: واليوم.
3 في ل: لفضلهن.
4 في ل: وجهت.
5 من ل.
6 في ل: تعديد.