قَالَ لَنَا أَبُو الْفَضَائِلِ الْمُعَدِّلُ1: قَالَ لَنَا جَمَالُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْقَاسِمِ قَالَ مُوسَى: {كَلًّا إنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ} ، وَقَالَ فِي مُحَمَّدٍ وَصَاحِبِهِ: {لَا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا} . لَا جَرَمَ لَمَّا كَانَ اللَّهُ مَعَ مُوسَى وَحْدَهُ ارْتَدَّ أَصْحَابُهُ بَعْدَهُ، فَرَجَعَ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ، وَوَجَدَهُمْ يَعْبُدُونَ الْعِجْلَ.
وَلَمَّا قَالَ فِي مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ مَعَنَا، بَقِيَ أَبُو بَكْرٍ مُهْتَدِيًا مُوَحِّدًا، عَالِمًا عَازِمًا، قَائِمًا بِالْأَمْرِ لَمْ يَتَطَرَّقْ إلَيْهِ اخْتِلَالٌ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} : فِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَى النَّبِيِّ. الثَّانِي: عَلَى أَبِي بَكْرٍ.
قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَهُوَ الْأَقْوَى؛ لِأَنَّ الصِّدِّيقَ خَافَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْقَوْمِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ؛ لِيَأْمَنَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَكَنَ جَأْشُهُ، وَذَهَبَ رَوْعُهُ، وَحَصَلَ لَهُ الْأَمْنُ، وَأَنْبَتَ اللَّهُ شَجَرَ ثُمَامِهِ، وَأَلْهَمَ الْوَكْرَ هُنَالِكَ حَمَامَهُ، وَأَرْسَلَ الْعَنْكَبُوتَ فَنَسَجَتْ عَلَيْهِ بَيْتًا، فَمَا أَضْعَفَ هَذِهِ الْجُنُودِ فِي ظَاهِرِ الْحِسِّ؛ وَمَا أَقْوَاهَا فِي بَاطِنِ الْمَعْنَى. وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِعُمَرَ حِينَ تَغَامَرَ2 مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ:"هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي، إنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ قَالُوا كَذَبْت، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقْت".
وَمِنْهَا: أَنَّهُ جَعَلَ أَبَا بَكْرٍ فِي مُقَابَلَةِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعَ، فَقَالَ: {إلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} بِصَاحِبِهِ فِي الْغَارِ، بِتَأْنِيسِهِ لَهُ، وَحَمْلِهِ عَلَى عُنُقِهِ [وَوَفَائِهِ لَهُ] 3 بِوِقَايَتِهِ لَهُ [بِنَفْسِهِ] 4، وَبِمُوَاسَاتِهِ بِمَالِهِ.
وَكَذَلِكَ رُوِيَ5 أَنَّ مِيزَانًا نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ، فَوُزِنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْخَلْقِ فَرَجَحَهُمْ؛ وَبِهَذِهِ الْفَضَائِلِ اسْتَحَقَّ أَنْ يُقَالَ فِيهِ:"لَوْ كُنْت مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاِتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا". وَسَبَقَتْ لَهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ الْفَضِيلَةُ عَلَى النَّاسِ.
رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا نُخَيِّرُ بَيْنَ النَّاسِ فِي زَمَنِ
1 في"القرطبي": أبو الفضائل العدل.
2 في أ: تعاهد. والمثبت من"القرطبي"أيضًا. ومعنى المغامرة: المخاصمة.
3 من م.
4 من م.
5 في أ: يروا.