فهرس الكتاب
رَأَى الْمَكْرُوهَ1 بِجَارِهِ؛ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: إنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} [التوبة: 122] . وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي مَوْضِعِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: إذَا كَانَ النَّفِيرُ عَامًّا لِغَلَبَةِ الْعَدُوِّ عَلَى الْحَوْزَةِ، أَوْ اسْتِيلَائِهِ عَلَى الْأُسَارَى كَانَ النَّفِيرُ عَامًّا، وَوَجَبَ الْخُرُوجُ خِفَافًا وَثِقَالًا، وَرُكْبَانًا وَرِجَالًا، عَبِيدًا وَأَحْرَارًا، مَنْ كَانَ لَهُ أَبٌ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ، وَمَنْ لَا أَبَ لَهُ، حَتَّى يَظْهَرَ دَيْنُ اللَّهِ، وَتُحْمَى الْبَيْضَةُ، وَتُحْفَظَ الْحَوْزَةُ، وَيُخْزَى2 الْعَدُوُّ، وَيُسْتَنْقَذَ الْأَسْرَى. وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا.
وَلَقَدْ رُوِيَ أَنَّ بَعْضَ الْأُمَرَاءِ عَاهَدَ كُفَّارًا أَلَّا يَحْبِسُوا أَسِيرًا، فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ جِهَتِهِ3 بِلَادُهُمْ، فَمَرَّ عَلَى بَيْتٍ مُغْلَقٍ، فَنَادَتْهُ امْرَأَةٌ: إنِّي أَسِيرَةٌ، فَأَبْلِغْ صَاحِبَك خَبَرِي.
فَلَمَّا اجْتَمَعَ بِهِ، اسْتَطْعَمَهُ عِنْدَهُ4، وَتَجَاذَبَا ذَيْلَ الْحَدِيثِ انْتَهَى الْخَبَرُ إلَى هَذِهِ الْمُعَذَّبَةِ، فَأَلْقَاهُ إلَيْهِ، فَمَا أَكْمَلَ حَدِيثَهُ حَتَّى قَامَ الْأَمِيرُ عَلَى قَدَمِهِ، وَخَرَجَ غَازِيًا مِنْ فَوْرِهِ، وَمَشَى إلَى الْبَلَدِ حَتَّى أَخْرَجَ الْأَسِيرَةَ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْمَوْضِعِ، فَكَيْفَ بِنَا وَعِنْدَنَا عَهْدُ اللَّهِ أَلَّا نُسَلِّمَ إخْوَانَنَا إلَى الْأَعْدَاءِ، وَنَنْعَمُ وَهُمْ فِي الشَّقَاءِ، أَوْ نَمْلِكُ بِالْحُرِّيَّةِ وَهُمْ أَرِقَّاءُ. يَالَلَّهِ، وَلِهَذَا الْخَطْبِ الْجَسِيمِ، نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِلْجُمْهُورِ، وَالْمِنَّةَ بِصَلَاحِ الْآمِرِ وَالْمَأْمُورِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَصْنَعُ الْوَاحِدُ إذَا قَصَّرَ الْجَمِيعُ ؟ وَهِيَ:
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قُلْنَا: يُقَالُ لَهُ: وَأَيْنَ يَقَعَانِ مِمَّا أُرِيدُ ؟ مَكَانَك أَيُّهَا الْوَاحِدُ لَا يُفْتَى وَمَالُك لَا يَكْفِي، وَالْأَمْرُ لِلَّهِ فِيمَا يُرِيدُ مِنْ تَوْفِيقٍ، أَوْ قَطْعٍ لِلطَّرِيقِ، وَقَدْ هَمَّهُمْ الْخَاطِرُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَزَمْزَمَ اللِّسَانُ بِهَا مُدَّةً. وَاَلَّذِي يُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا، وَيُطْفِئُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أُوَارَهَا أَنْ يَعْمِدَ مَنْ رَأَى تَقْصِيرَ الْخَلْقِ إلَى أَسِيرٍ وَاحِدٍ فَيَفْدِيَهُ؛ فَإِنَّ الْأَغْنِيَاءَ لَوْ اقْتَسَمُوا فِدَاءَ الْأَسْرَى مَا لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَّا أَقَلُّ مِنْ دِرْهَمٍ لِلرَّجُلِ الْوَاحِدِ، فَإِذَا فَدَى الْوَاحِدُ فَقَدْ أَدَّى فِي الْوَاحِدِ5 أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يَلْزَمُهُ فِي الْجَمَاعَةِ، وَيَغْزُو بِنَفْسِهِ إنْ قَدَرَ، وَإِلَّا جَهَّزَ غَازِيًا. فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -6:
1 في"القرطبي": المكيدة.
2 في أ: ويحرم.
3 في ل: فدخل رجل من جهة بلادهم. وفي"القرطبي": فدخل رجل في المسلمين جهة بلادهم.
4 في أ: واستطعمه ما عنده.
5 في أ، ل: فإذا فدى العدو أحدًا فقد أتى في الواحدة، وهي غير مفهومة. وما أثبتناه من"القرطبي".
6"صحيح مسلم": [1507] .