ثُمَّ إنَّهُ حَلَفَ مَا قَالَ؛ قَالَهُ عُرْوَةُ وَمُجَاهِدٌ وَابْنُ إِسْحَاقَ.
الثَّانِي: أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ حِينَ قَالَ: {لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} [المنافقون: 8] ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ جَمَاعَةُ الْمُنَافِقِينَ قَالُوا ذَلِكَ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ. وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِعُمُومِ الْقَوْلِ، وَوُجُودِ الْمَعْنَى فِيهِ وَفِيهِمْ، وَجُمْلَةُ ذَلِكَ اعْتِقَادُهُمْ وَقَوْلُهُمْ إنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ1 .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ يَكُونُ بِكُلِّ مَا يُنَاقِضُ التَّصْدِيقَ وَالْمَعْرِفَةَ، وَإِنْ كَانَ الْإِيمَانُ لَا يَكُونُ إلَّا بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَمَسَائِلِ الْخِلَافِ، وَذَلِكَ لِسَعَةِ الْحِلِّ وَضِيقِ الْعَقْدِ، وَذَلِكَ كَالطَّلَاقِ يَقَعُ بِالنِّيَّةِ وَالْقَوْلِ، وَلَيْسَ يَقَعُ النِّكَاحُ إلَّا بِاللَّفْظِ الْمَخْصُوصِ مَعَ الْقَوْلِ بِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ: {فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ} :
فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَوْبَةِ الْكَافِرِ الَّذِي يُسِرُّ الْكُفْرَ وَيُظْهِرُ الْإِيمَانَ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْفُقَهَاءُ الزِّنْدِيقَ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا تُقْبَلُ لَهُ تَوْبَةٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُقْبَلُ. وَلَيْسَتْ الْمَسْأَلَةُ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَقُولُ مَالِكٌ: إنَّ تَوْبَةَ الزِّنْدِيقِ لَا تُعْرَفُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُظْهِرُ الْإِيمَانَ وَيُسِرُّ الْكُفْرَ، وَلَا يُعْلَمُ إيمَانُهُ إلَّا بِقَوْلِهِ. وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ الْآنَ، وَفِي كُلِّ حِينٍ، يَقُولُ: أَنَا مُؤْمِنٌ، وَهُوَ يُضْمِرُ خِلَافَ مَا يُظْهِرُ، فَإِذَا عَثَرْنَا عَلَيْهِ [وَقَالَ: تُبْت] 2 لَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُهُ. وَقَبُولُ التَّوْبَةِ لَا يَكُونُ إلَّا لِتَوْبَةٍ تَتَغَيَّرُ فِيهَا الْحَالَةُ الْمَاضِيَةُ بِنَقِيضِهَا فِي الْآتِيَةِ.
وَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّهُ إذَا جَاءَ تَائِبًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يُعْثَرَ عَلَيْهِ قَبِلْنَا تَوْبَتَهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِعُمُومٍ، فَتَتَنَاوَلُ كُلَّ حَالَةٍ؛ وَإِنَّمَا تَقْتَضِي الْقَبُولَ الْمُطْلَقَةَ فَيَكْفِي فِي تَحْقِيقِ الْمَعْنَى لِلَّفْظِ وُجُودُهُ مِنْ جِهَةٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْمَسْأَلَةَ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ، وَهَذَا الْقَدْرُ يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ.
1 في أ: بشيء. والمثبت من ل، و"القرطبي".
2 من"القرطبي".