فهرس الكتاب

الصفحة 1193 من 2471

الْمُبَالَغَةِ، وَزِيَادَةُ الِاثْنَيْنِ لِأَقْصَى الْمُبَالَغَةِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْأَسَدُ سَبْعًا، عِبَارَةٌ عَنْ غَايَةِ الْقُوَّةِ، وَفِي الْأَمْثَالِ1: أَخَذَهُ أَخْذَةَ سَبْعَةٍ أَيْ: غَايَةَ الْأَخْذِ، عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ، وَهَذَا تَحَكُّمٌ؛ إذْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَقُولَ: إنَّ الِاثْنَيْنِ أَوْسَطُ الْمُبَالَغَةِ، وَالثَّلَاثَةُ نِهَايَتُهَا، وَذَلِكَ فِي الثَّمَانِيَةِ، وَمِنْهُ يُقَالُ فِي الْمَثَلِ لِمَنْ بَالَغَ فِي عِوَضِ السِّلْعَةِ: أَثَمَنْتَ. أَيْ: بَلَغْتَ الْغَايَةَ فِي الثَّمَنِ، وَهَذِهِ التَّحَكُّمَاتُ لَا قُوَّةَ فِيهَا، وَالِاشْتِقَاقَاتُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا؛ وَإِنَّمَا هِيَ مُلِحَّةٌ، فَإِذَا عَضَّدَهَا الدَّلِيلُ كَانَتْ صَحِيحَةً.

وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّهُ عَلَّلَهُ بِالْكُفْرِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ بَعْدَ السَّبْعِينَ، وَالْكَافِرُ لَا يُغْفَرُ لَهُ.

قُلْنَا: أَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ بَعْدَ السَّبْعِينَ، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا الْحُكْمُ مِنْ عَدَمِ الْمَغْفِرَةِ إنَّمَا كَانَ مُعَلَّقًا بِالسَّبْعِينَ، وَالزِّيَادَةُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ بِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَإِنَّمَا عُلِمَ عَدَمُ الْمَغْفِرَةِ فِي الْكَافِرِ بِدَلِيلٍ آخَرَ، وَرَدَ مِنْ طُرُقٍ، مِنْهَا قَوْلُهُ: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْت لَهُمْ } الْآيَةَ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي إعْطَاءِ الْقَمِيصِ:

قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ إذْ طَلَبَ الْقَمِيصَ كَانَ عَلَى النَّبِيِّ قَمِيصَانِ قَالَ: أَعْطِهِ الَّذِي يَلِي جِلْدَك.

وَقَالُوا: إنَّهُ إنَّمَا أَعْطَاهُ قَمِيصَهُ مُكَافَأَةً عَلَى إعْطَائِهِ قَمِيصَهُ يَوْمَ بَدْرٍ لِلْعَبَّاسِ، فَإِنَّهُ لَمَا أُسِرَ وَاسْتُلِبَ ثَوْبُهُ رَآهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَلِكَ، فَأَشْفَقَ، وَطَلَبَ لَهُ قَمِيصًا، فَمَا وَجَدَ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ قَمِيصًا يُقَادِرُهُ إلَّا قَمِيصَ عَبْدِ اللَّهِ، لِتَقَارُبِهِمَا فِي طُولِ الْقَامَةِ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِعْطَائِهِ الْقَمِيصَ أَنْ تَرْتَفِعَ الْيَدُ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى لَا يَلْقَاهُ فِي الْآخِرَةِ، وَلَهُ عِنْدَهُ يَدٌ يُكَافِئُهُ2 بِهَا.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْله تَعَالَى {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ } الْآيَةَ.

نَصٌّ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْكُفَّارِ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.

وَقَدْ وَهَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَقَالَ: إنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} فَنَهَى اللَّهُ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْكُفَّارِ، فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَهَذِهِ غَفْلَةٌ عَظِيمَةٌ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ أَضْدَادِهِ كُلِّهَا عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ لَفْظًا، وَبِاتِّفَاقِهِمْ مَعْنًى.

فَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ فَقَدْ اتَّفَقُوا فِي الْوَجْهَيْنِ عَلَى أَنَّهُ أَمْرٌ بِأَحَدِ أَضْدَادِهِ لَفْظًا أَوْ مَعْنًى، وَلَيْسَتْ الصَّلَاةُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ضِدًّا مَخْصُوصًا لِلصَّلَاةِ عَلَى الْكَافِرِينَ؛ بَلْ كُلُّ طَاعَةٍ ضِدٌّ لَهَا، فَلَا

1"اللسان" [سبع] .

2"القرطبي": [8/ 220] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت