فهرس الكتاب

الصفحة 1197 من 2471

وَأَنَّهُمْ مَذْمُومُونَ؛ لِأَنَّهُمْ جَاءُوا لِيُؤْذَنَ لَهُمْ، وَلَوْ كَانُوا مِنْ الضُّعَفَاءِ أَوْ الْمَرْضَى لَمْ يَحْتَاجُوا أَنْ يَسْتَأْذِنُوا؛ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ بَلْ كُلُّ أَحَدٍ يَسْتَأْذِنُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُعْلِمُهُ بِحَالِهِ، فَإِنْ كَانَ مَرْئِيًّا فَالْعِيَانُ شَاهِدٌ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَرْئِيٍّ مِثْلَ عَجْزِ الْبَدَنِ وَقِلَّةِ الْمَالِ، فَاَللَّهُ شَهِيدٌ بِهِ، وَهُوَ أَعْدَلُ الشَّاهِدِينَ، يُلْقِي الْيَقِينَ عَلَى رَسُولِهِ بِصِدْقِ عُذْرِ الْمُعْتَذِرِينَ إلَيْهِ، وَيَخْلُقُ لَهُ الْقَبُولَ فِي قَلْبِهِ لَهُ.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْله تَعَالَى {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} :

يُرِيدُ مِنْ طَرِيقٍ إلَى الْعُقُوبَةِ عَلَى فِعْلِهِ؛ لِأَنَّهُ إحْسَانٌ فِي نَفْسِهِ، وَالْحَسَنُ مَا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ الشَّرْعُ، وَالْقَبِيحُ مَا نَهَى عَنْهُ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ هَاهُنَا وَفِي كُتُبِ الْأُصُولِ.

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: هَذَا عُمُومٌ مُمَهَّدٌ فِي الشَّرِيعَةِ، أَصْلٌ فِي رَفْعِ الْعِقَابِ وَالْعِتَابِ عَنْ كُلِّ مُحْسِنٍ. قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي الَّذِي يَقْتَصُّ مِنْ قَاطِعِ يَدِهِ فَيُفْضِي ذَلِكَ بِالسِّرَايَةِ إلَى إتْلَافِ نَفْسِهِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُهُ الدِّيَةُ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَا دِيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ فِي اقْتِصَاصِهِ مِنْ الْمُعْتَدِي عَلَيْهِ، فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ. وَكَذَلِكَ إذَا صَالَ فَحَلَّ عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَهُ فِي دَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ عِنْدَنَا؛ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُهُ لِمَالِكِهِ قِيمَتُهُ، وَكَذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الشَّرِيعَةِ كُلِّهَا.

وَقَدْ أَوْمَأْنَا إلَى ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ، وَقَرَّرْنَا هَذَا الْأَصْلَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ.

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَوْله تَعَالَى {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إذَا مَا أَتَوْك لِتَحْمِلَهُمْ قُلْت لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} [التوبة: 92] .

أَقْوَى دَلِيلٍ عَلَى قَبُولِ عُذْرِ الْمُعْتَذِرِ بِالْحَاجَةِ وَالْفَقْرِ عَنْ التَّخَلُّفِ فِي الْجِهَادِ إذَا ظَهَرَ مِنْ حَالِهِ صِدْقُ الرَّغْبَةِ، مَعَ دَعْوَى الْمُعْجِزَةِ، كَإِفَاضَةِ الْعَيْنِ، وَتَغْيِيرِ الْهَيْئَةِ؛ لِقَوْلِهِ: {تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ } الْآيَةَ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْفَقِيرَ الْخُرُوجُ فِي الْغَزْوِ وَالْجِهَادِ تَعْوِيلًا عَلَى النَّفَقَةِ مِنْ الْمَسْأَلَةِ، حَاشَا مَا قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا دُونَ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ: إنَّ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ عَادَةً لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَخَرَجَ عَلَى الْعَادَةِ؛ وَهُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ يَتَوَجَّهُ الْفَرْضُ عَلَيْهِ تَوَجُّهَهُ عَلَيْهِ، وَلَزِمَهُ أَدَاؤُهُ، وَهِيَ:

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: مِنْ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ، وَمِنْهَا مَا يَحْتَمِلُ التَّرْدِيدَ1؛ فَالْأَوَّلُ كَمَنْ يَمُرُّ عَلَى دَارٍ قَدْ عَلَا فِيهَا النَّعْيُ، وَخُمِشَتْ

1 في أ: التزوير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت