الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الَّذِي خُفِّفَ عَنْهُ فِي الْمَسْرَبَةِ رُخْصَةٌ لِلضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ، وَالرُّخَصُ لَا يُقَاسَ عَلَيْهَا، فَإِنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ الْقِيَاسِ: فَلَا تُرَدُّ إلَيْهِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَوْله تَعَالَى: {أَحَقُّ} :
هُوَ أَفْعَلُ مِنْ الْحَقِّ، وَأَفْعَلُ لَا يَدْخُلُ إلَّا بَيْنَ شَيْئَيْنِ مُشْتَرَكَيْنِ، لِأَحَدِهِمَا فِي الْمَعْنَى الَّذِي اشْتَرَكَا فِيهِ مَزِيَّةٌ عَلَى الْآخَرِ، فَيُحَلَّى بِأَفْعَلَ، وَأَحَدُ الْمَسْجِدَيْنِ وَهُوَ مَسْجِدُ الضِّرَارِ بَاطِلٌ لَا حَظَّ1 لِلْحَقِّ فِيهِ، وَلَكِنْ خَرَجَ هَذَا عَلَى اعْتِقَادِ بَانِيهِ أَنَّهُ حَقٌّ، وَاعْتِقَادُ أَهْلِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ قُبَاءَ أَنَّهُ حَقٌّ، فَقَدْ اشْتَرَكَا فِي الْحَقِّ مِنْ جِهَةِ الِاعْتِقَادِ، لَكِنَّ أَحَدَ الِاعْتِقَادَيْنِ بَاطِلٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَالْآخَرُ حَقٌّ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَهُوَ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} [الفرقان: 24] : يَعْنِي مِنْ أَهْلِ النَّارِ. وَلَا خَيْرَ فِي مَقَرِّ النَّارِ وَلَا مَقِيلِهَا، وَلَكِنَّهُ جَرَى عَلَى اعْتِقَادِ كُلِّ فِرْقَةٍ أَنَّهَا عَلَى خَيْرٍ، وَأَنَّ مَصِيرَهَا إلَيْهِ؛ إذْ كُلُّ حِزْبٍ فِي قَضَاءِ اللَّهِ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ، حَتَّى يَتَمَيَّزَ بِالدَّلِيلِ لِمَنْ عُضِّدَ بِالتَّوْفِيقِ فِي الدُّنْيَا، أَوْ بِالْعِيَانِ لِمَنْ ضَلَّ فِي الْآخِرَةِ، وَقَدْ جَاءَ بَعْدَ هَذَا: وهي
1 في"القرطبي": لاحق فيه.