فهرس الكتاب

الصفحة 1335 من 2471

يُوسُفَ قَدْ حَضَنَتْهُ وَأَحَبَّتْهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَلَمَّا تَرَعْرَعَ قَالَ لَهَا يَعْقُوبُ: سَلِّمِي يُوسُفَ إلَيَّ؛ فَلَسْت أَقْدِرُ أَنْ يَغِيبَ عَنْ عَيْنِي سَاعَةً. قَالَتْ لَهُ: دَعْهُ عِنْدِي أَيَّامًا أَنْظُرُ إلَيْهِ فَلَعَلِّي أَتَسَلَّى عَنْهُ. فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا يَعْقُوبُ عَمَدَتْ إلَى مِنْطَقَةِ إِسْحَاقَ فَحَزَّمَتْهَا عَلَى يُوسُفَ مِنْ تَحْتِ ثِيَابِهِ، ثُمَّ قَالَتْ: لَقَدْ فَقَدْت مِنْطَقَةَ إِسْحَاقَ، فَانْظُرُوا مَنْ أَخَذَهَا، وَمَنْ أَصَابَهَا. فَالْتُمِسَتْ، ثُمَّ قَالَتْ: اكْشِفُوا أَهْلَ الْبَيْتِ، فَكَشَفُوا فَوُجِدَتْ مَعَ يُوسُفَ فَقَالَتْ: وَاَللَّهِ إنَّهُ لِي سَلَمٌ1 أَصْنَعُ فِيهِ مَا شِئْت. ثُمَّ أَتَاهَا يَعْقُوبُ، فَأَخْبَرَتْهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ لَهَا: أَنْتِ وَذَاكَ، إنْ كَانَ فَعَلَ فَهُوَ سَلَمٌ لَك، فَأَمْسَكَتْهُ حَتَّى مَاتَتْ، فَبِذَلِكَ عَيَّرَهُ إخْوَتُهُ فِي قَوْلِهِمْ {إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} مَعْنَاهُ أَنَّ الْقَرَابَةَ شِجْنَةٌ وَالصَّحَابَةُ شِجْنَةٌ2.

وَمِنْ هَاهُنَا تَعَلَّمَ يُوسُفُ وَضْعَ السِّقَايَةِ فِي رَحْلِ أَخِيهِ كَمَا عَمِلَتْ عَمَّتُهُ بِهِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْله تعالى: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} :

إذْ كَانَ لَا يَرَى اسْتِرْقَاقَ السَّارِقِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، فَكَيْفَ الْتِزَامُ الْإِخْوَةِ لِدِينِ يَعْقُوبَ بِالِاسْتِرْقَاقِ، فَقَضَى عَلَيْهِمْ بِهِ. وَالْكَيْدُ وَالْمَكْرُ هُوَ الْفِعْلُ الَّذِي يُخَالِفُ فِيهِ الْبَاطِنُ الظَّاهِرَ، وَالْقَوْلُ الَّذِي يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ فَيَتَأَوَّلُهُ أَحَدُ الْمُتَخَاطِبَيْنِ عَلَى وَجْهٍ وَالْآخَرُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَدْ ذَكَرْنَا فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ أَنَّ الْقَطْعَ فِي السَّرِقَةِ نَاسِخٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الشَّرَائِعِ؛ إذْ كَانَ فِي شَرْعِ يَعْقُوبَ اسْتِرْقَاقُ السَّارِقِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَا نَعْلَمُ مَا نَفَذَ بِهِ الْحُكْمُ فِي شَرْعِ يَعْقُوبَ هَلْ كَانَ مَخْصُوصًا بِعَيْنٍ مَسْرُوقَةٍ دُونَ عَيْنٍ أَمْ عَامًّا فِي كُلِّ عَيْنٍ؟ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي"الصَّحِيحِ"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ كَانُوا3 إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا". وَهَذَا نَصٌّ فِي الْغَرَضِ، مُوَضِّحٌ لِلْمَقْصُودِ، فَافْهَمُوهُ.

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَوْلُهُ: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} :

فِيهِ جَوَازُ التَّوَصُّلِ إلَى الْأَغْرَاضِ بِالْحِيَلِ؛ إذَا لَمْ تُخَالِفْ شَرِيعَةً وَلَا هَدَمَتْ أَصْلًا، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي تَجْوِيزِهِ الْحِيَلَ، وَإِنْ خَالَفَتْ الْأُصُولَ، وَخَرَمَتْ التَّحْلِيلَ؛ سَمِعْت أَبَا بَكْرٍ

1 سلم: أسير.

2 شجنة: تشابك وترابط

3 في أ: كان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت