الرَّابِعُ: الْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي تَدَبُّرِ مَا مَضَى:
أَمَّا مَنْ قَالَ إنَّهُمْ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ اليَهُودِ، كَابْنِ سَلَامٍ، وَابْنِ يَامِينَ. وَمِنْ النَّصَارَى، كَسَلْمَانَ، وَتَمِيمٍ الدَّارِيِّ، فَإِنَّ الْمَعْنَى عِنْدَهُ بِالْكِتَابِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَعَوَّلَ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا لِأَنَّهُ عِنْدَهُ أَعْلَمُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ أَعْلَمُ مِنْهُ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي"أُصُولِ الدِّينِ"فِي ذِكْرِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ؛ أَوْ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:
"أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَعَلِيٌّ بَابُهَا".
وَهُوَ حَدِيثٌ بَاطِلٌ، النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَدِينَةُ عِلْمٍ وَأَبْوَابُهَا أَصْحَابُهَا؛ وَمِنْهُمْ الْبَابُ الْمُنْفَسِحُ، وَمِنْهُمْ الْمُتَوَسِّطُ عَلَى قَدْرِ مَنَازِلِهِمْ فِي الْعُلُومِ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهُمْ جَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ فَصَدَقَ؛ لِأَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ يَعْلَمُ الْكِتَابَ، وَيُدْرِك وَجْهَ إعْجَازِهِ؛ يَشْهَدُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالصِّدْقِ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ فَعَوَّلَ عَلَى حَدِيثٍ خَرَّجَهُ لِلتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ.
أَنَّهُ لَمَّا أُرِيدَ قَتْلُ عُثْمَانَ جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: مَا جَاءَ بِك؟ قَالَ: جِئْت فِي نَصْرِك. قَالَ: اُخْرُجْ إلَى النَّاسِ، فَاطْرُدْهُمْ عَنِّي، فَإِنَّك خَارِجًا خَيْرٌ لِي مِنْك دَاخِلًا. فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ إلَى النَّاسِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّهُ كَانَ اسْمِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فُلَانٌ، فَسَمَّانِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَبْدَ اللَّهِ، وَنَزَلَتْ فِي آيَاتٌ مِنَ القُرْآنِ فَنَزَلَتْ فِي: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ} [الأحقاف: 10] الْآيَةَ إلَى آخِرِهَا، وَنَزَلَتْ فِي: {قُلْ كَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} .
إنَّ لِلَّهِ سَيْفًا مَغْمُودًا عَنْكُمْ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ قَدْ جَاوَرَتْكُمْ فِي بَلَدِكُمْ هَذَا الَّذِي نَزَلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. اللَّهَ اللَّهَ فِي هَذَا الرَّجُلِ أَنْ تَقْتُلُوهُ، فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَتَلْتُمُوهُ لَتُطْرَدَنَّ جِيرَانُكُمْ الْمَلَائِكَةُ، وَلَيُسَلَّنَّ سَيْفُ اللَّهِ الْمَغْمُودُ عَنْكُمْ، فَلَا يُغْمَدُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
قَالُوا: اُقْتُلُوا الْيَهُودِيَّ، وَاقْتُلُوا عُثْمَانَ.
وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ تَنْزِلَ فِي عَبْدِ اللَّهِ سَبَبًا1، وَتَتَنَاوَلَ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ لَفْظًا؛ وَيُعَضِّدُهُ مِنْ
1 في القرطبي: شيئا.