فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ". وَرُوِيَ:"فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ ثُمَّ أَفْطِرُوا"."
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: إذَا رَأَى أَحَدٌ الْهِلَالَ كَبِيرًا:
قَالَ عُلَمَاؤُنَا: لَا يُعَوَّلُ عَلَى كِبَرِهِ وَلَا عَلَى صِغَرِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ لَيْلَتِهِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ:"إنَّ الْأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ بَعْدَ مَا تَزُولُ الشَّمْسُ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ".
وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ: أَنَّ هِلَالَ شَوَّالٍ رُئِيَ بِعَشِيٍّ فَلَمْ يُفْطِرْ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى أَمْسَى.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: قَدِمْنَا حُجَّاجًا حَتَّى إذَا كُنَّا بِالصِّفَاحِ1 رَأَيْنَا هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ كَأَنَّهُ ابْنُ خَمْسِ لَيَالٍ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ سَأَلْنَاهُ فَقَالَ: جَعَلَ اللَّهُ الْأَهِلَّةَ مَوَاقِيتَ يُصَامُ لِرُؤْيَتِهَا وَيُفْطَرُ لِرُؤْيَتِهَا.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: إذَا رُئِيَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ:
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَابْنُ وَهْبٍ، وَغَيْرُهُمَا: هُوَ لِلْمَاضِيَةِ. وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ ضَعِيفٌ عَنْ عُمَرَ، وَالصَّحِيحُ عَنْ عُمَرَأَنَّ الْأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ، فَصُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: قَالَ قَوْمٌ: إنَّ الْمَنَاسِكَ مِنْ صَوْمٍ وَحَجٍّ تَنْبَنِي عَلَى حِسَابِ مَنَازِلِ الْقَمَرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: عِنْدَ عُلَمَائِنَا أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ.
وَتَعَلَّقَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} فَجَعَلَ جَمِيعَهَا مِيقَاتًا لِلْحَجِّ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَفَادَتْ بَيَانَ حِكْمَةِ الْأَهِلَّةِ فِي الْجُمْلَةِ، فَأَمَّا تَخْصِيصُ الْفَوَائِدِ بِالْأَهِلَّةِ وَتَعْيِينُهَا فَإِنَّمَا تُؤْخَذُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُصَامُ لِجَمِيعِهَا، فَكَذَلِكَ لَا يُحَجُّ لِجَمِيعِهَا2. وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِي آيَةٍ أُخْرَى، فَقَالَ: الْحَجُّ أَشْهُرٌ
1 الصفاح: موضع بين حنين وأنصاب الحرم على يسرة الداخل إلى مكة من مشاش،"معجم ياقوت".
2 في م: بجميعها.