فهرس الكتاب

الصفحة 1410 من 2471

النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَهُوَ شَرْعٌ مُتَّبَعٌ، وَإِنْ كَانَ أَخْبَرَ بِهِ عَنْ اللُّغَةِ فَهُوَ حُجَّةٌ فِيهَا، لَا سِيَّمَا وَهُوَ نَطَقَ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ مَا بَيْنَ أَظْهُرِ الصَّحَابَةِ، فَلَمْ يَقُمْ مَنْ يُنْكِرُ عَلَيْهِ.

جَوَابٌ آخَرُ: أَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ اللَّهَ امْتَنَّ، وَلَا يَكُونُ امْتِنَانُهُ وَتَعْدِيدُهُ إلَّا بِمَا أَحَلَّ فَصَحِيحٌ؛ بَيْدَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، ثُمَّ حُرِّمَتْ بَعْدُ.

فَإِنْ قَبْلُ: كَيْفَ يُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ هَهُنَا، وَيَنْسَخُ هَذَا الْحُكْمَ، وَهُوَ خَبَرٌ، وَالْأَخْبَارُ لَا يَدْخُلُهَا النَّسْخُ.

قُلْنَا: هَذَا كَلَامُ مَنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ الشَّرِيعَةَ، وَقَدْ بَيَّنَّا حَقِيقَتَهُ قَبْلُ، وَأَوْضَحْنَا أَنَّ الْخَبَرَ إذَا كَانَ عَنْ1 الْوُجُودِ الْحَقِيقِيِّ فَذَلِكَ الَّذِي لَا يَدْخُلُهُ نَسْخٌ2، أَوْ كَانَ عَنْ الْفَضْلِ الْمُعْطَى ثَوَابًا فَهُوَ أَيْضًا لَا يَدْخُلُهُ نَسْخٌ؛ فَأَمَّا إنْ كَانَ خَبَرًا عَنْ حُكْمِ الشَّرْعِ فَالْأَحْكَامُ تَتَبَدَّلُ وَتُنْسَخُ جَاءَتْ بِخَبَرٍ أَوْ بِأَمْرٍ، وَلَا يَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى تَكْذِيبٍ في الخبر أَوْ الشَّرْعِ الَّذِي كَانَ مُخْبَرًا عَنْهُ قَدْ زَالَ بِغَيْرِهِ.

وَإِذَا فَهِمْتُمْ هَذَا خَرَجْتُمْ عَنْ الصِّنْفِ الْغَبِيِّ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ الْكُفَّارِ فِيهِ بِقَوْلِهِ تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [النحل: 102] . يَعْنِي أَنَّهُمْ جَهِلُوا أَنَّ الرَّبَّ يَأْمُرُ بِمَا يَشَاءُ، وَيُكَلِّفُ مَا يَشَاءُ، وَيَرْفَعُ مِنْ ذَلِكَ بِعَدْلِهِ مَا يَشَاءُ، وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ، وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.

جَوَابٌ ثَالِثٌ3: وَأَمَّا مَا عَضَّدُوهُ بِهِ مِنَ الأَحَادِيثِ فَالْأَوَّلُ ضَعِيفٌ، وَالثَّانِي فِي سَقْيِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَا بَقِيَ لِلْخَدَمِ صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ مَا كَانَ يَسْقِيهِ لِلْخَدَمِ؛ لِأَنَّهُ مُسْكِرٌ، وَإِنَّمَا كَانَ يَسْقِيهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَغَيِّرُ الرَّائِحَةِ، وَكَانَ صلى الله عليه وسلم أَكْرَهَ الْخَلْقِ فِي خَبِيثِ الرَّائِحَةِ، وَلِذَلِكَ تَحَيَّلَ عَلَيْهِ أَزْوَاجُهُ فِي عَسَلِ زَيْنَبَ، فَإِنَّهُنَّ4 قُلْنَ لَهُ:

إنَّا نَجِدُ مِنْك رِيحَ مَغَافِيرَ يَعْنِي رِيحًا نُنْكِرُهُ5. وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي"كُتُبِ الْخِلَافِ"أَثَرًا وَنَظَرًا، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

1 في أ: على

2 في"القرطبي": ولا يرجع النسخ إلى نفس اللفظ، وإنما يرجع ما تضمنه. وهنا في هامش م: مسألة في تحقيق النسخ، وهل يدخل على الأخبار.

3 في م: جواب آخر.

4 في م: والقرطبي. بأن قلن له.

5 في م: منكرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت