الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَدَّمْنَا الْقَوْلَ فِي حَقِّ ذَوِي الْقُرْبَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ، وَأَكَّدَ اللَّهُ هَاهُنَا حَقَّهُ؛ لِأَنَّهُ وَصَّى بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ خُصُوصًا مِنَ القَرَابَةِ، ثُمَّ ثَنَّى التَّوْصِيَةَ بِذِي الْقُرْبَى عُمُومًا، وَأَمَرَ بِتَوْصِيلِ حَقِّهِ إلَيْهِ مِنْ صِلَةِ رَحِمٍ وَأَدَاءِ حَقٍّ مِنْ مِيرَاثٍ وَسِوَاهُ فَلَا يُبَدَّلُ فِيهِ، وَلَا يُغَيَّرُ عَنْ جِهَتِهِ بِتَوْلِيجِ وَصِيَّةٍ، أَوْ سِوَى ذَلِكَ مِنَ الدَّخْلِ. وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ قَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دُخُولًا مُتَقَدِّمًا، أَوْ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى، مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْآيَةَ لِلْقَرَابَةِ الْأَدْنَيْنَ الْمُخْتَصِّينَ بِالرَّجُلِ، فَأَمَّا قَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَدْ أَبَانَ اللَّهُ عَلَى الِاخْتِصَاصِ حَقَّهُمْ، وَأَخْبَرَ أَنَّ مَحَبَّتَهُمْ هِيَ أَجْرُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى هُدَاهُ لَنَا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْله تَعَالَى {وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} : وَلَهُمْ حَقَّانِ:
أَحَدُهُمَا: أَدَاءُ الزَّكَاةِ.
وَالثَّانِي: الْحَقُّ الْمُفْتَرَضُ مِنَ الحَاجَةِ عِنْدَ عَدَمِ الزَّكَاةِ، أَوْ فَنَائِهَا، أَوْ تَقْصِيرِهَا مِنْ عُمُومِ الْمُحْتَاجِينَ، وَأَخْذِ السُّلْطَانِ دُونَهُمْ، وَقَدْ حَقَّقْنَا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى، فَانْظُرُوا فِيهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ: {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا}
قَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ: التَّبْذِيرُ هُوَ مَنْعُهُ مِنْ حَقِّهِ، وَوَضْعُهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ، وَهُوَ أَيْضًا تَفْسِيرُ الْحَدِيثِ:"نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ". وَكَذَلِكَ يُرْوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ وَهُوَ الْإِسْرَافُ، وَذَلِكَ حَرَامٌ بِقَوْلِهِ: {إنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} وَذَلِكَ نَصٌّ فِي التَّحْرِيمِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَنْ أَنْفَقَ فِي الشَّهَوَاتِ، هَلْ هُوَ مُبَذِّرٌ أَمْ لَا؟
قُلْنَا: مَنْ أَنْفَقَ مَالَهُ فِي الشَّهَوَاتِ زَائِدًا عَلَى الْحَاجَاتِ، وَعَرَّضَهُ بِذَلِكَ لَلنَّفَادِ فَهُوَ مُبَذِّر. وَمَنْ أَنْفَقَ رِبْحَ مَالِهِ فِي شَهَوَاتِهِ، أَوْ غَلَّتَهُ، وَحَفِظَ الْأَصْلَ أَوْ الرَّقَبَةَ، فَلَيْسَ بِمُبَذِّرٍ. وَمَنْ أَنْفَقَ دِرْهَمًا فِي حَرَامٍ فَهُوَ مُبَذِّرٌ يُحْجَرُ عَلَيْهِ فِي نَفَقَةِ دِرْهَمٍ فِي الْحَرَامِ، وَلَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ بِبَذْلِهِ فِي الشَّهَوَاتِ، إلَّا إذَا خِيفَ عَلَيْهِ النَّفَادُ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ} الْآيَةَ:
أَمَرَ اللَّهُ بِالْإِقْبَالِ عَلَى الْآبَاءِ وَالْقَرَابَةِ وَالْمَسَاكِينِ وَأَبْنَاءِ السَّبِيلِ عِنْدَ التَّمَكُّنِ مِنَ العَطَاءِ، وَالْقُدْرَةِ، فَإِنْ كَانَ عَجْزٌ عَنْ ذَلِكَ جَازَ الْإِعْرَاضُ، حَتَّى يَرْحَمَ اللَّهُ بِمَا يُعَادُ عَلَيْهِمْ بِهِ؛ فَاجْعَلْ بَدَلَ الْعَطَاءِ قَوْلًا فِيهِ يُسْرٌ.
وَقِيلَ: إنَّمَا أَمَرَ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ عِنْدَ خَوْفِ نَفَقَتِهِمْ فِي مَعَاصِي اللَّهِ، فَيَنْتَظِرُ رَحْمَةَ اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ.