وَأَمَّا احْتِجَاجُك بِالزَّوْجِ فَهُوَ الرَّكِيكُ مِنَ القَوْلِ؛ فَإِنَّ الزَّوْجَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي وِلَايَةِ الدَّمِ.
قَالَ الطَّبَرِيُّ: قَالَ إسْمَاعِيلُ: الْمَقْصُودُ مِنَ القِصَاصِ تَقْلِيلُ الْقَتْلِ، وَالْمَقْصُودُ بِكَثْرَةِ الْقَتْلِ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ، وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَلَّا يَجْرِيَ الْقِصَاصُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: إمَّا أَنَّ فَكَّيْك ضَعُفَا عَنْ لَوْكِ مَا قَالَهُ إسْمَاعِيلُ، وَإِمَّا تَعَامَيْت عَمْدًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَتْلَ وَالِاعْتِدَاءَ إنَّمَا شَأْنُهُ الْغَوَائِلُ وَالشَّحْنَاءُ، وَهِيَ بَيْنَ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، وَلَا يَقْتُلُ عَلَى الْغَائِلَةِ امْرَأَةً إلَّا دَنِيءُ الْهِمَّةِ، وَيُعَيَّرُ بِهِ بَقِيَّةَ الدَّهْرِ؛ فَكَانَ ذَلِكَ وَاقِعًا فِي الْغَالِبِ عَلَى الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، فَوَقَعَ الْقَوْلُ بِجَزَاءِ ذَلِكَ، وَهُوَ الْقِصَاصُ عَلَى الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ إذْ خُرُوجُ الْكَلَامِ عَلَى غَالِبِ الْأَحْوَالِ هِيَ الْفَصَاحَةُ الْعَرَبِيَّةُ، وَالْقَوَاعِدُ الدِّينِيَّةُ.
وَقَدْ تَفَطَّنَ لِذَلِكَ شَيْخُك إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، فَجَعَلَهُ أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَرَدَّ إلَيْهِ كَثِيرًا مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ؛ فَكَيْف ذُهِلْت عَنْهُ، وَأَنْتَ تَحْكِيهِ وَتُعَوِّلُ فِي تَصَانِيفِك عَلَيْهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ: {سُلْطَانًا} فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ مَالِكٌ: السُّلْطَانُ أَمْرُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ.
الثَّانِي: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: السُّلْطَانُ الْحُجَّةُ.
الثَّالِثُ: قَالَ الضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُ: السُّلْطَانُ إنْ شَاءَ عَفَا، وَإِنْ شَاءَ قَتَلَ، و إنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ؛ قَالَهُ أَشْهَبُ وَالشَّافِعِيُّ.
الرَّابِعُ: السُّلْطَانُ طَلَبُهُ حَتَّى يُدْفَعَ إلَيْهِ.
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ مُتَقَارِبَةٌ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَظْهَرَ مِنْ بَعْضٍ، أَمَّا طَلَبُهُ حَتَّى يُدْفَعَ إلَيْهِ فَهُوَ ابْتِدَاءُ الْحَقِّ، وَآخِرُهُ اسْتِيفَاؤُهُ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْخَامِسُ.
وَأَمْرُ اللَّهِ هُوَ حُجَّةُ الْخَلْقِ لِعِبَادِهِ، وَعَلَيْهِمْ، وَالِاسْتِيفَاءُ هُوَ الْمُنْتَهَى، وَقَدْ تَدَاخَلَتْ، وَتَقَارَبَتْ، وَأَوْضَحُهَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ: إنَّهُ أَمْرُ اللَّهِ. ثُمَّ إنَّ أَمْرَ اللَّهِ لَمْ يَقَعْ نَصًّا، فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ؛ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ: الْقَتْلُ خَاصَّةً.
وَقَالَ أَشْهَبُ عَنْهُ: الْخِيرَةُ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالدِّيَةِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، و قَدْ قَدَّمْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ، فَلْيُنْظَرْ1 فِيهِ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَفِي"مَسَائِلِ الْخِلَافِ".
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: {فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
1 صفحة 77 من الجزء الأول.