الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثٍ، فَقَالَ: أَمِزْمَارُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ؟ فَقَالَ:"دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ".
فَلَمْ يُنْكِرْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْمِيَةَ الْغِنَاءِ مِزْمَارَ الشَّيْطَانِ؟ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُبَاحَ قَدْ يَسْتَدْرِجُ بِهِ الشَّيْطَانُ إلَى الْمَعْصِيَةِ أَكْثَرَ وَأَقْرَبَ إلَى الِاسْتِدْرَاجِ إلَيْهَا بِالْوَاجِبِ، فَيَكُونُ إذَا تَجَرَّدَ مُبَاحًا، وَيَكُونُ عِنْدَ الدَّوَامِ وَمَا تَعَلَّقَ بِهِ الشَّيْطَانُ مِنَ المَعَاصِي حَرَامًا، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ مِزْمَارَ الشَّيْطَانِ.
وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"نُهِيت عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ فَذَكَرَ الْغِنَاءَ وَالنَّوْحَ". وَقَدَّمْنَا شَرْحَ ذَلِكَ كُلِّه.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ: {وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ} :
وَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} [النساء: 119] . وَهَذَا تَفْسِيرُ أَنَّ صَوْتَهُ أَمْرُهُ بِالْبَاطِلِ، وَدُعَاؤُهُ إلَيْهِ عَلَى الْعُمُومِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَدِينُهُ مِنْ تَحْرِيمِ بَعْضِ الْأَمْوَالِ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ وَبَعْضِ الْأَوْلَادِ، حَسْبَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا شَرَحْنَاهُ فِي قَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} [الأعراف: 190] وَقَدْ أَوْضَحْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ.