فهرس الكتاب

الصفحة 1525 من 2471

لَهُ فَهُوَ الْبَاقِي حَقِيقَةً. وَلَكِنَّ الْبَاقِيَ بِالْحَقِّ وَالْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ"الْأَمَدِ". فَأَمَّا نَعِيمُ الْجَنَّةِ فَأُصُولٌ مُذْ خُلِقَتْ لَمْ تَفْنَ وَلَا تَفْنَى بِخَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى؛ وَفُرُوعٌ وَهِيَ النِّعَمُ، هِيَ أَعْرَاضٌ إنَّمَا تُوصَفُ بِالْبَقَاءِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ أَمْثَالَهَا يَتَجَدَّدُ مِنْ غَيْرِ انْقِطَاعٍ، كَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ وَغَيْرِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ قَبْلُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ بِقَوْلِهِ: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا} [النساء: 56] فَهَذَا فَنَاءٌ وَتَجْدِيدٌ، فَيَجْعَلُهُ بَقَاءً مَجَازًا بِالْإِضَافَةِ إلَى غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يَفْنَى فَلَا يَعُودُ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، وَهِيَ:

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فَالْأَعْمَالُ الَّتِي تَصْدُرُ عَنْ الْخَلْقِ مِنْ حَسَنٍ وَقَبِيحٍ لَا بَقَاءَ لَهَا، وَلَا تَجَدُّدَ بَعْدَ فَنَاءِ الْخَلْقِ، فَهِيَ بَاقِيَاتٌ صَالِحَاتٌ وَطَالِحَاتٌ، حَسَنَاتٌ وَسَيِّئَاتٌ فِي الْحَقِيقَةِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ الْأَعْمَالُ أَسْبَابًا فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَكَانَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ دَائِمَيْنِ لَا يَنْقَطِعَانِ، وَبَاقِيَيْنِ لَا يَفْنَيَانِ، كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ، وُصِفَتْ الْأَعْمَالُ بِالْبَقَاءِ، حَمْلًا مَجَازِيًّا عَلَيْهَا، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ مِنْ وَجْهِ تَسْمِيَةِ الْمَجَازِ.

وَأَمَّا تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِسَبَبِهِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ، أَوْ تَسْمِيَتُهُ بِفَائِدَتِهِ الْمَقْصُودَةِ بِهِ، فَنَدَبَ اللَّهُ تَعَالَى إلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهَا خَيْرُ مَا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ، وَعَمَلٍ وَحَالٍ فِي الْمَآلِ، فَقَالَ، وَهِيَ:

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّك ثَوَابًا} مِنَ المَالِ وَالْبَنِينَ، {وَخَيْرٌ أَمَلًا} فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَ إرَادَتَهُ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ، وَهِيَ:

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ بِهَذَا الْعُمُومِ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ كُلَّ عَمَلٍ صَالِحٍ، وَهُوَ الَّذِي وَعَدَ بِالثَّوَابِ عَلَيْهِ، إلَّا أَنَّ الْمُفَسِّرِينَ عَيَّنُوا فِي ذَلِكَ أَقْوَالًا، وَرَوَوْا فِيهِ أَحَادِيثَ، وَاخْتَارُوا مِنْ ذَلِكَ أَنْوَاعًا يَكْثُرُ تَعْدَادُهَا، وَيَطُولُ إيرَادُهَا، أُمَّهَاتُهَا أَرْبَعَةٌ:

الْأَوَّلُ: رَوَى مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ،"أَنَّ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ قَوْلُ الْعَبْدِ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ".

الثَّانِي: رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِثْلَهُ.

الثَّالِثُ: مِثْلُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

الرَّابِعُ: أَنَّهَا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ1 وَغَيْرِهِ؛ وَبِهِ أَقُولُ، وَإِلَيْهِ أَمِيلُ،

1 في القرطبي: وعن ابن عباس أيضا: أنها كل عمل صالح من قول أو فعل يبغى للآخرة"10-414."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت