وَإِنْ قُلْنَا بِرِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ، فَلَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ أَنْ يَكُونَ مُوسَى أُمِرَ بِخَلْعِ نَعْلَيْهِ، وَكَانَ أَوَّلُ تَعَبُّدٍ أُحْدِثَ إلَيْهِ، كَمَا كَانَ أَوَّلَ مَا قِيلَ لِمُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم: {قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 2-5] .
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي جِلْدِ الْمَيْتَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ عَلَى حَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يُدْبَغْ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ، لِمُطْلَقِ قَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم:"هَلَّا أَخَذْتُمْ إهَابَهَا1 فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ"وَلَمْ يَذْكُرْ دِبَاغًا.
الثَّانِي: أَنَّهُ يُدْبَغُ فَيُنْتَفَعُ بِهِ مَدْبُوغًا، لِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم2:"هَلَّا أَخَذْتُمْ إهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ"قَالَهُ مَالِكٌ فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ إذَا دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ، لِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم-:"أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ". خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ.
وَخَرَّجَ الْبُخَارِيُّ:"أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَتَوَضَّأُ مِنْ قِرْبَةٍ مَدْبُوغَةٍ مِنْ جِلْدِ مَيْتَةٍ، حَتَّى صَارَتْ شَنًّا".
قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي، وَهُوَ الرَّابِعُ، وَوَرَاءَ هَذِهِ تَفْصِيلٌ.
وَالصَّحِيحُ جَوَازُ الطَّهَارَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ نَعْلَا مُوسَى لَمْ تُدْبَغَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَا دُبِغَتَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي شَرْعِهِ إذْنٌ فِي اسْتِعْمَالِهَا. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا لَمْ تُدْبَغْ، وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا الْقَوْلَ فِي"كُتُبِ الْفِقْهِ"وَ"الْحَدِيثِ"فِي الْبَابِ.