الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي ذِكْرِ وَصْفِ قَضَائِهِمَا:
أَمَّا حُكْمُ دَاوُد فَإِنَّهُ يُرْوَى أَنَّهُ قَضَى لِصَاحِبِ الْحَرْثِ بِالْغَنَمِ. وَأَمَّا حُكْمُ سُلَيْمَانَ فَإِنَّهُ قَضَى بِأَنْ تُدْفَعَ الْغَنَمُ لِصَاحِبِ الْحَرْثِ عَلَّه يَغْتَلُّهَا، وَيُدْفَعَ الْحَرْثُ إلَى صَاحِبِ الْغَنَمِ لِيَقُومَ بِعِمَارَتِهِ، فَإِذَا عَادَ فِي السَّنَةِ الْمُقْبِلَةِ إلَى مِثْلِ حَالَتِهِ رُدَّ إلَى كُلِّ أَحَدٍ مَالُهُ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَمُجَاهِدٌ، فَرَجَعَ دَاوُد إلَى حُكْمِ سُلَيْمَانَ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: فِي صِفَةِ حُكْمِ الْمُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم فِيهَا:
رَوَى الزُّهْرِيُّ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَحَرَامُ بْنُ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ دَخَلَتْ حَائِطًا، فَأَفْسَدَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْحَوَائِطِ حِفْظُهَا بِالنَّهَارِ، وَأَنَّ مَا أَفْسَدَتْ الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ ضَامِنٌ1 عَلَى أَهْلِهَا. وَفِي رِوَايَةٍ: وَعَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي حِفْظُهَا بِاللَّيْلِ. وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَا كَلَامَ فِيهِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: فِي هَذِهِ دَلِيلٌ عَلَى رُجُوعِ الْقَاضِي عَمَّا حَكَمَ بِهِ، إذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْحَقَّ فِي غَيْرِهِ، وَهَكَذَا فِي رِسَالَةِ عُمَرَ إلَى أَبِي مُوسَى: فَأَمَّا أَنْ يَنْظُرَ قَاضٍ فِيمَا حَكَمَ بِهِ قَاضٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَدَاعَى إلَى مَا لَا آخِرَ لَهُ، وَفِيهِ مَضَرَّةٌ عُظْمَى مِنْ جِهَةِ نَقْضِ الْأَحْكَامِ، وَتَبْدِيلِ الْحَلَالِ بِالْحَرَامِ، وَعَدَمِ ضَبْطِ قَوَانِينِ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ أَحَدٌ مِنَ الخُلَفَاءِ إلَى نَقْضِ مَا رَآهُ الْآخَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ يَحْكُمُ بِمَا يَظْهَرُ إلَيْهِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنَّ دَاوُد لَمْ يَكُنْ أَنْفَذَ الْحُكْمَ، وَظَهَرَ لَهُ2 مَا قَالَ غَيْرُهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: لَمْ يَكُنْ حُكْمًا، وَإِنَّمَا كَانَتْ فُتْيَا، فَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ دَاوُد كَانَ فُتْيَا فَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ النَّبِيُّ، وَفُتْيَاهُ حُكْمٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ الْآخَرُ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَنْفَذَ الْحُكْمَ فَظَهَرَ لَهُ مَا قَالَ غَيْرُهُ. فَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: {إذْ يَحْكُمَانِ} ، فَبَيَّنَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ قَدْ حَكَمَ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ الْفُتْيَا حُكْمٌ، وَهُوَ صَحِيحٌ لَفْظًا، وَفِي بَعْضِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُقَلِّدَ قَوْلُهُ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُجْتَهِدَ قَوْلُ غَيْرِهِ.
وَقَدْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ أَوْحَى أَنَّ الْحُكْمَ حُكْمُ سُلَيْمَانَ، فَعَلَى هَذَا كَانَ الْقَضَاءُ مِنَ اللَّهِ، وَكُلُّ
1 ضامن بمعنى مضمون.
2 في أ: ظهر إليه.